قام الرسول بهذه الدعوة العظيمة فأدى حقوقها: من الجهاد في سبيلها وإيثارها على كل ما يقف في وجهها ، والعزوف عن الشهوات ومطامع الدنيا فكان في ذلك أسوة وإمامًا للعالم كله ، وفد قريش وعرض عليه كل ما يغري الشباب ويرضي الطامحين من رئاسة وشرف ومال عظيم وزواج كريم ، فرفض كل ذلك في صرامة وصراحة ، وكلمة عمه وحاول أن يحد من نشاطه في سبيل الدعوة فقال: (( يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ) )ثم كان أسوة للناس في عصره وبعد عصره بقيامه بأكبر قسط من الجهاد والإيثار ، والزهد وشظف العيش وأقل قسط من العيش وأسباب الحياة ، فقد أوصد على نفسه الأبواب وسد في وجهه الطرق وتعدى ذلك إلى أسرته وأهل بيته والمتصلين به ، فكان أكثر الناس اتصالًا به وأقربهم إيه أقلهم حظًا في الحياة , وأعظمهم نصيبًا في الجهاد والإيثار , فإذا أراد أن يحرم شيئًا بدأ ذلك بشيرته وبيته , وإذا سن حقًا أو فتح بابًا لمنفعة قدم الآخرين وربما حرمه على عشيرته الأقربين . أراد أن يحرم الربا فبدأ بربا عمه عباس بن عبد المطلب فوضعه كله , وأراد أن يهدر دماء الجاهلية فبدأ بدم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فأبطله , وسن الزكاة وهي منفعة مالية عظيمة مستمرة إلى يوم القيامة فحرمها على عشيرته بني هاشم إلى آخر الأبد , وكلمه علي بن أبي طالب يوم الفتح أن يجمع لبني هاشم الحجابة مع السقاية فأبي وطلب عثمان بن طلحة وناوله مفتاح الكعبة وقال: هاك مفتاحك يا عثمان ، اليوم يوم بر ووفاء ، وقال خذوها خالدة تالدة فيكم لا ينزعها منكم إلا ظالم ، وحمل أزواجه على الزهد والقناعة وشظف العيش وخيرهن بين عشرته مع الفقر وضيق العيش ، ومفارقته مع السعة والرخاء وتلا عليهن قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا28} وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيما فاخترن الله والرسول ، وتأتيه فاطمة تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى وبلغها