بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد بلغت شقاوة الإنسانية غاية ما وراءها غاية ، وكانت قضية الإنسانية أعظم من أن يقوم لها أفراد متنعمون لا يتعرضون لخطر ولا لخسارة ولا محنة ، لهم النعيم الحاضر والغد المضمون ، إنما تحتاج هذه القضية إلى أناس يضحون بإمكانياتهم ومستقبلهم في سبل خدمة الإنسانية وأداء رسالتهم المقدسة ، ويعرضون نفوسهم وأموالهم ومعائشهم وحظوظهم من الدنيا للخطر والضياع ، وتجاراتهم وحرفهم ومكاسبهم للتلف والكساد ، ويخيبون آمال آبائهم وأصدقائهم فيهم ، حتى يقولوا للواحد منهم كما قال قوم صالح: {قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا } .
إنه لا بقاء للإنسانية ولا قيام لدعوة كريمة بغير هؤلاء المجاهدين ، وبشقاء هذه الحفنة من البشر في الدنيا - كما يعتقد كثير من معاصريهم - تنعم الإنسانية وتسعد الأمم ، ويتحول تيار العالم من الشر إلى الخير ، ومن السعادة أن يشقى أفراد وتنعم أمم ، وتضيع أموال وتكسد تجارات لبعض الأفراد وتنمو نفوس وأرواح لا يحصيها إلا الله من عذاب الله ومن نار جهنم .
علم الله عند بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن الروم والفرس والأمم المتحضرة المتصرفة بزمام العالم المتمدن لا تستطيع بحكم حياتها المصطنعة المترفة أن تتعرض للخطر وتتحمل المتاعب والمصاعب في سبيل الدعوة والجهاد وخدمة الإنسانية البائسة , ولا تستطيع أن تضحي بشيء من دقائق مدنيتها في الملبس والمأكل وأن تتنزل عن حظوظها ولذاتها وزخارفها فضلًا عن حاجاتها ، وأنه لا يوجد فيها أفراد يقوون على قهر شهواتهم ، والحد من طموحهم ، والزهد في فضول الحياة ومطامع الدنيا ، والقناعة بالكفاف ، فاختار لرسالة الإسلام وصحبة الرسول عليه الصلاة والسلام أُمة تضطلع بأعباء الدعوة والجهاد وتقوى على التضحية والإيثار ، تلك هي الأمة العربية القوية السليمة التي لم تبتلعها المدنية ولم ينخرها البذخ والترف وأولئك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أبر الناس قلوبًا وأعمقهم علمًا وأقلهم تكلفًا .