الشخصية تسيطر على الأمة أو المجتمع ، كما تسيطر شجرة باسقة على الحشائش والشجيرات التي تنبت في ظلها وتمنعها من الشمس والهواء ، كذلك تضمحل هذه الأمة في شخص هذا الفرد وتذوب فيه وتصبح أمة هزيلة لا شخصية لها ولا إرادة ، ولا حرية لها ولا كرامة .
وكان هذا الفرد هو الذي تدور لأجله عجلة الحياة ، فلأجله يتعب الفلاح ويشتغل التاجر ويجتهد الصانع ، ويؤلف المؤلف وينظم الشاعر ، ولأجله تلد الأمهات ، وفي سبيله يموت الرجال وتقاتل الجيوش ، بل ولأجله تلفظ الأرض خزائنها ويقذف البحر نفائسه وتستخرج كنوز الأرض خيراتها .
وكانت الأمة - وهي صاحبة الإنتاج وصاحبة الفضل في هذه الرفاهية كلها- تعيش عيش الصعاليك ، أو الأرقاء المماليك ، وقد تسعد بفتات مائدة الملك وبما يفضل عن حاشيته فتشكر ، وقد تُحرم ذلك أيضًا فتصبر ، وقد تموت فيها الإنسانية فلا تنكر شيئًا بل تتسابق في التزلف وانتهاز الفرص .
هذا هو العهد الذي ازدهر في الشرق طويلًا وترك رواسب في حياة هذه الأمة ونفوسها وفي أدبها وشعرها ، وأخلاقها واجتماعاتها ، وخلّف آثارًا باقية في المكتبة العربية ، ومن هذه الآثار الناطقة كتاب (( ألف ليلة وليلة ) )الذي يصور ذلك العهد تصويرًا بارعًا ، يوم كان الخليفة في بغداد أو الملك في دمشق أو القاهرة ، هو كل شيء ، وبطل رواية الحياة ومركز الدائرة إن هذا العهد الذي يمثله كتاب (( ألف ليلة وليلة ) )بأساطيره وقصصه ، وكتاب الأغاني بتاريخه وأدبه ، لم يكن عهدًا إسلاميًا ، ولا عهدًا طبيعيًا معقولًا ، فلا يرضاه الإسلام ولا يقرّه العقل ، بل إنما جاء الإسلام بهدمه والقضاء عليه ، فقد كان هذا هو العهد الذي بعث فيه محمد - صلى الله عليه وسلم - فسماه الجاهلية ونعى عليه وأنكر على ملوكه - ككسرى وقيصر - وعلى أثرتهم وترفهم أشد الإنكار .