الضيقة لا تهضم أن هنالك بعثًا بعد الموت ، وحياة بعد هذه الحياة ، فيها الحساب ، والثواب والعقاب ، قالوا: { وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} وقالوا: { أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا }
قال صاعد: كان جمهورهم ينكر ذلك"الميعاد"لا يصدق بالمعاد ولا يقول بالجزاء ، ويرى أن العالم لا يخرب ولا يبيد ، وإن كان مخلوقًا مبتدعًا ، وكان فيهم من يقر بالمعاد ، ويعتقد إن نحرت ناقته على قبره يحشر راكبًا ، ومن لم يفعل ذلك يحشر ماشيًا [1] .
الأدواء الخلقية والاجتماعية:
أما من جهة الأخلاق ، فكانت فيهم أدواء وأمراض متأصلة ، وأسبابها فاشية ، فكان شرب الخمر واسع الشيوع شديد الرسوخ فيهم تتحدث عن معاقرتها والاجتماع على شربها الشعراء ، وشغلت جانبًا كبيرًا من شعرهم وتاريخهم وأدبهم ، وكثرت أسمائها وصفاتها في لغتهم ، وكثر فيها التدقيق والتفصيل كثرة تدعو إلى العجب [2] ، وكانت حوانيت الخمارين مفتوحة دائمًا ، يرفرف عليها علم يسمى غاية .
قال لبيد [3] :
قد بتُّ سامرها وغاية تاجر *** وافيت إذا رفعت وعز مُدامها
وكان من شيوع تجارة الخمر أن أصبحت كلمة التجارة مرادفًا لبيع الخمر ، كما قال لبيد: وغاية تاجر ، وقال عمرو ابن قميئة [4] :
إذا سحب الريط والمروط إلى *** أدنى تجاري وأنقص اللمما
وكان القمار من مفاخر الحياة الجاهلية . قال الجاهلي [5] :
(1) 77) أيضًا ص 44 .
(2) 78) اقرأ كتاب المخصص لابن سيده ج 11 ص 82 - 101 .
(3) 79) السبع المعلقات ، معلقة لبيد .
(4) 80) ديوان الحماسة .
(5) 81) ديوان الحماسة .