(( لم يكن سبب انقراض الدولة الرومية وسقوطها الأساسي الفساد الزائد(كالرشوة وغيرها) بل كان الفساد والشر وعدم المطابقة بالواقع مما صحب نشوء هذه الدولة من أول يومها وتغلغل في أحشائها . إن كل مؤسسة بشرية تقوم على أساس زائف منها ولا تستطيع أن تنقذ نفسها بذكاء أو نشاط ، ولما كان الفساد مما قامت عليه هذه الدولة فكان لا بد أن تبيد يومًا وتنهار ، لقد رأينا أن الدولة الرومية إنما كانت وسيلة لرفاهية طبقة صغيرة على حساب الجماهير الذين كانت هذه الطبقة تستغلهم وتمتص دمائهم . لقد كانت التجارة تسير في رومة بأمانة وعدل وقد كان ذلك مما طبعت عليه هذه الدولة ، وقد كانت فائقة في قوة الحكم والقضاء ، وفي الكفاءة ، ولكن هذه المحاسن كلها لم تكن لتحفظ الدولة من عواقب الزيف الأساسي والخطأ [1] ) .
الحكم الروماني في مصر والشام:
يقول الدكتور الفرد. ج. بتلر عن الحكم الروماني في مصر:
(( إن حكومة مصر(الرومية) لم يكن لها إلا غرض واحد ، وهو أن تبتز الأموال من الرعية لتكون غنيمة للحاكمين ، ولم يساورها أن تجعل قصد الحكم توفير الرفاهية للرعية أو ترقية حال الناس والعلو بهم في الحياة أو تهذيب نفوسهم أو إصلاح أمور أرزاقهم ، فكان الحكم على ذلك حكم الغرباء لا يعتمد إلا على القوة ولا يحس بشيء من العطف على الشعب المحكوم [2] ).
ويقول مؤرخ عربي شامي عن الحكم الروماني في الشام:
(( كانت معاملة الروماني للشاميين بادئ ذي بدء عادلة حسنة مع ما كانت عليه مملكتهم في داخليتها من المشاغب والمتاعب . ولما شاخت دولتهم انقلبت إلى أتعس ما كانت عليه من الرق والعبودية ، ولم تضف رُومية بلاد الشام مباشرة ولم يصبح سكانها وطنيين رومانيين ، ولا أرضهم أرضًا رومانية ، بل ظلوا غرباء ورعايا ،
(2) 108) فتح العرب لمصر للدكتور الفرد .ج . بتلر ، تعريب محمد فريد أبو حديد .