رأى ملوكًا اتخذوا بلاد الله دولًا ، وعباد الله خولًا ، ورأى أحبارًا ورهبانًا أصبحوا أربابًا من دون الله ، يأكلون أموال الناس بالباطل ، ويصدون عن سبيل الله .
رأى المواهب البشرية ضائعة أو زائغة لم ينتفع بها ولم توجه التوجيه الصحيح ، فعادت وبالا على أصحابها وعلى الإنسانية ، فقد تحولت الشجاعة فتكًا وهمجية ، والجواد تبذيرًا وإسرافًا ، والأنفة حمية جاهلية ، والذكاء شطارة وخديعة ، والعقل وسيلة لابتكار الجنايات ، والإبداع في إرضاء الشهوات .
رأى أفراد البشر والهيئات البشرية كخامات لم تحظ بصانع حاذق ، ينتفع بها في هيكل الحضارة ، وكألواح الخشب لم تسعد بنجار يركب منها سفينة تشق بحر الحياة .
رأى الأمم قطعانًا من الغنم ليس لها راع ، والسياسة كجمل هائج حبله على غاربه ، والسلطان كسيف في يد سكران يجرح به نفسه ، ويجرح به أولاده وإخوانه .
نواحي الحياة الفاسدة:
إن كل ناحية من نواحي هذه الحياة الفاسدة تسترعي اهتمام المصلح وتشغل باله ، فلو كان رجل من عامة رجال الإصلاح لتوفر على إصلاح ناحية من نواحيها ، وظل طول عمره يعالج عيبًا من عيوب المجتمع ويعانيه ، ولكن نفسية الإنسان معقدة التركيب دقيقة النسج كثيرة المنافذ والأبواب ،خفية التخلص والتنصل ، وإنها إذا زاغت أو اعوجت لا يؤثر فيها إصلاح عيب من عيوبها وتغيير عادة من عاداتها ، حتى يغير اتجاهها من الشر إلى الخير ومن الفساد إلى الصلاح ، وتقتلع جرثومة الفساد من النفس البشرية التي قد تنبت بفساد المجتمع واختلال التربية كما تنبت الحشائش الشيطانية في أرض كريمة ، وتحسم مادة الشر ويغرس فيها حب الخير والفضيلة ومخافة الله عز وجل
وكل داء من أدواء المجتمع الإنساني وكل عيب من عيوب الجيل الحاضر يتطلب إصلاحه حياة كاملة ، ويستغرق عمر إنسان بطوله ، وقد يستغرق أعمار طائفة من المصلحين ولا يزول ، فإذا ذهب أحد يطارد الخمر في بلاد قد نشأت على