حياة الترف والبذخ ودانت باللهو واللذة أعياه أمرها وحبطت جهوده ، لأن شرب الخمر ليس إلا نتيجة نفسية تعشق اللذة حتى في السم ، وتبتغي النشوة حتى في الإثم ، فلا تهجره بمجرد الدعاية والنشر والكتب الخطب وبيان مضاره الطبية ومفاسده الخلقية ، وبسن القوانين الشديدة والعقوبات الصارمة [1] لا تهجره إلا بتغيير نفس عميق ، وإذا أرغمت على تركه بغير هذا التغيير تسللت إلى غيره من أنواع الجريمة واستباحته بتغيير الأسماء والصور .
لم يكن الرسول رجلًا إقليميًا أو زعيمًا وطنيًا:
وكان مجال العمل في بلاد العرب فسيحًا إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - رجلًا إقليميًا وسار في قومه سيرة القادة السياسيين والزعماء الوطنيين ، كان له أن يعقد للأمة العربية لواء تنضم إليه قريش والقبائل العربية ، ويكوِّن إمارة عربية قوية موحدة يكون رئيسها ، ولاشك أن أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وغيرهما كانوا في مقدمة من ينضم إلى هذا اللواء القومي ، ويقاتلون تحته ويقلدونه الزعامة . أما كانوا يشهدون بصدقه وأمانته ؟ أما حكموه في أكبر حادث من حوادث حياتهم المكية ومنحوه أكبر شرف ، إذ حكموه في وضع الحجر الأسود في مكانه من البيت ؟ أما قالوا له على لسان عتبة ، وهم ما عرفوا الإغراء السياسي: (( إن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسًا ما بقيت [2] ) ، وإذا صار له ذلك كان يمكنه أن يرمي الدولة الفارسية بفرسان العرب وشجعانهم ، وينتصر للعروبة المهضومة ، وينتصر من العجم الظالمين ، ويغرز علم الفتح العربي والمجد القومي
(1) 134) منعت حكومة أمريكا الخمر ، وطاردتها في بلادها واستعملت جميع وسائل المدينة الحاضرة كالمجلات والجرائد والمحاضرات والصور والسينما لتهجين شربها وبيان مضارها ومفاسدها ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على 60 مليون دولار ، وأن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على 10 بلايين صفحة ، وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم في مدة أربعة عشر عامًا لا يقل عن 250 مليون جنيه ، وقد أعدم فيها 300 نفس ؛ وسجن 532335 نفس ، وبلغت الغرامات إلى 16 مليون جنيه ، وصادرت من الأملاك ما يبلغ 400 مليون وأربعة ملايين جنيه ، ولكن كل ذلك لم يزد الأمة الأمريكية إلا غراما بالخمر وعنادًا في تعاطيها ، حتى اضطرت الحكومة سنة 1933 م إلى سحب القانون وإباحة الخمر في مملكتها إباحة مطلقة (( من كتاب تنقيحات للأستاذ أبي الاعلى المودودي ) )
(2) 135) البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي ص 43 ج 3 .