أو يترك الإنكار إن لم يكن ... يدري ويصغي لكلام النصوح
فإنّ حانات دواويننا ... خمارها يولي الغبوق الصبوح [1]
ولا ينال الكأس إلا فتى ... فيه لأسرار المعاني صلوح
عليه ما نرمز لا يختفي ... وعنده من كلّ لفظ شروح
وسرّ هذا أنه مؤمن ... بالغيب من معنى النظام السنوح
يحفظ من طوفان وسواسه ... سفينة كان بها حفظ نوح
لا تقرب المنكر يا مسلما ... فربما تعديك منه القروح
وربما سالت جراحاته ... فنجّست منك الفؤاد الطموح
كم عصبة من جهلهم حالنا ... كادوا علينا يلبسون المسوح [2]
ما آمنوا بالغيب حتى على ... قلوبهم فيض التجلي يسوح
بل صوّروه في خيالاتهم ... وعندهم فيما رأوه رجوح
وهو بعيد غاية البعد عن ... أن يشبه الغيب الحقيق النزوح
والله مع هذا عليم بهم ... وإنه ذو العفو وهو الصفوح
وقال رضي الله عنه من الموشح:
(دور) وجه من أهواه لاح ... فاختفى نور الصباح
فاسقني الكأس الطفاح ... في غبوق واصطباح
لم تقل أهل السماح ... موسم الأفراح راح
(دور) هذه دعوى الوجود ... تمنع القلب الشهود
فهو في أسر القيود ... وجنازير الحدود [3]
ليرى حال الأسود ... في ملاقاة الكفاح
(دور)
(1) الغبوق: ما يشرب بالعشيّ. الصّبوح: ما يشرب أو يؤكل في الصباح ويقابله الغبوق.
(2) المسوح: (ج) المسح: كساء من شعر أو ثوب الراهب.
(3) الجنازير: (ج) الجنزير: سلسلة من المعدن تستعمل كالشريط لقياس المسافات الطويلة، وأصل الكلمة فارسي.