الصفحة 5 من 645

مقدمة المؤلف:

بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما، الحمد لله الذي فتح خزائن الإمكان بمفاتيح الكرم والامتنان وأظهر سرّه المكنون بين الكاف والنون، إنما أمره لشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون. كشف عن وجهه المتعال بتجليات الجلال والجمال، واحتجب بأستار النقصان وظهر بأسرار الكمال، ونشر دواوين الإحسان بما طواه في بدائع خلق الإنسان، وتحلّى بملابس الأسماء القدسية وتجلّى على أصحاب القلوب الإنسية، فهاموا في جماله المطلق المقيد وتأيّدوا بتحقيق حقيقة روحه المؤيد.

خرجوا عن صور الحسّ والخيال وانحلّوا عن عقال العقل والوهم وانفلتوا من هذه الأغلال، وكسروا مكبال المكان والزمان ونفذوا من أقطار السموات والأرض على كل حال، ودخلوا بالعناية الأزلية تحت سرادق الجلال ليحتموا بحماية الشجرة المباركة الذاتية التي هي لا شرقية ولا غربية من جناية ما تحتها من الظلال، وقد توقّدت مصابيح قلوبهم، بأشعة أنوار محبوبهم، فنالوا غاية مطلوبهم ومرغوبهم، وراقت لهم بيد ساقيهم كؤوس مشروبهم، وامتلؤوا من المعارف بطونا وظهورا، وسقاهم ربّهم شرابا طهورا، فسبحان من لا هو إلا هو، وتبارك الذي تحيّرت العقلاء في معرفته وافترقوا وتاهوا، وهدى إليه قوما بضلالهم فيه قد أفلح المؤمنون، فجعل جهلهم علما به {وَاللََّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لََا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] ، وكان سمعهم وبصرهم فبه يسمعون، وبه يبصرون، فيا أيها المعتمدون على التصوّرات والتصديقات، في معرفة ربّ الأرض والسموات، إلى متى تعبدون ولد العقول، مع علمكم بمقتضى النقول أنه {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 3و 4] وحتى متى تجعلونه نتيجة الأدلة الفكرية، والبراهين العقلية في جيدكم حبل من مسد [1] ، قال الله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلََا تُبْصِرُونَ}

[الذاريات: 21] {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لََا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] انتقلتم فيه من معنى إلى

(1) المسد: الحبل المضفور المحكم الفتل من ليف أو من غيره. (ج) مساد، وأمساد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت