الصفحة 6 من 645

معنى في نفوسكم وهو عنكم بحجاب عزّته مصون، وهو الظاهر بكل شيء و {كُلُّ شَيْءٍ هََالِكٌ إِلََّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88] ، {مََا هََذِهِ التَّمََاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهََا عََاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] ، {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] ، فهو العارف والمعروف والشاهد والمشهود، بل الجاهل والمجهول والجاحد والمجحود، ولكنه ملتبس عليكم لأن له الظهور والبطون، بالأشياء المحسوسة والمعقولة التي هو قيّوم عليها وهي الشؤون {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فَبِأَيِّ آلََاءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ} [الرحمن: 29و 30] وذلك حيث كان فيه الإنسان من التنزيه والتشبيه، وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنّا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه، وهو عين الأعيان كلها وهو غيب الغيوب، وهو المنكشف بملابس الخيال لملابس الخيال في مسمى الأبصار والقلوب، قرب وبعد ودنا وعلا، وجمع بين المثلين والضدّين والخلافين والنقيضين والعدم والملكة في الخلاء والملا، وهو مع جميع ذلك، المنزّه عن كل ما هنالك، فلا يعرفه، إلا من أتاه بقلب مما سواه سليم. و {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظََّاهِرُ وَالْبََاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] . طريق النجاة منه هو البقاء به والبقاء به هو الفناء عن جميع اعتباراته المعبّر عنها بهو وأنت وأنا، وهيهات هيهات [1] أن تعرفه النفوس بما عندها من التقييد، وما انطبعت عليه لأمثالها من التقليد بل هم في لبس من خلق جديد. كان في الأزل، وهو في الأزل لم يزل، ولا زمان ولا مكان، ولا أرواح ولا أبدان، ولا مفهوم ولا موهوم ولا مرقوم ولا ملفوظ، {وَاللََّهُ مِنْ وَرََائِهِمْ مُحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 2220] ، رفيع الدرجات ذو العرش من حيث الصعود في أهل السعود، وتلك الدرجات هي عين الدّركات في هبوط المبعد عنه والمطرود، كمّل الصورة الآدمية، وكلّفها بما يفعله عنها بصفة القيومية، سواء أشركت النفوس بعملها أو احتسبت، {أَفَمَنْ هُوَ قََائِمٌ عَلى ََ كُلِّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ} [الرعد: 33] ، وهو الوكيل عنهم وهم المتوكلون، فهو العامل لكل ما هم له عاملون، فأين القائمون بحولهم وقوّتهم وأين المدّعون؟ {وَاللََّهُ خَلَقَكُمْ وَمََا تَعْمَلُونَ} [الصّافّات: 96] وإنما يكون الخلاص بملازمة طريق أهل الإخلاص، قال تعالى: {وَمََا أُمِرُوا إِلََّا لِيَعْبُدُوا اللََّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البيّنة: 5] ، وذلك في كل أمر ونهي وتشديد وتليين، وهو الصدق في العبودية، وتوحيد الربوبية، المبرّأ من الإشراك {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللََّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] ، «والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» [2] . والصلاة والسلام،

(1) هيهات: اسم فعل بمعنى بعد. نحو: هيهات ما تريد، أو هيهات لما تريد.

(2) أخرجه البخاري (تفسير سورة 31، 2) ، (إيمان 37) ، ومسلم (إيمان 57) ، وأبو داود (سنة 16) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت