وجه تعدّد في المرائي ... وبه تحيّر كلّ رائي
والكائنات بأمره ... موج على صفحات ماء
والأمر أمر واحد ... فيه التقارب والتنائي
إنّ العوالم كلّها ... بظهورها والاختفاء
في سرعة وتقلّب ... مثل الكتابة في الهواء
قد خطّها القلم الذي ... هو باب ديوان العطاء
بمداد أنوار الوجو ... د الحق من يد ذي العلاء
قلم له عدد الورى ... أسنان رقم وانتشاء
صبغ الإرادة طبق ما ... في الأرض يظهر والسماء
يا باطنا هو ظاهر ... في كلّ ختم وابتداء
إني وإنك واحد ... واثنان عند الإنثناء
من لي بمجهول العدا ... عرفته كلّ الأولياء
إن غاب عن أغيارنا ... هو عندنا ملء الإناء
يشقي ويسعد من يشا ... بالداء جاء وبالدواء
هو بالتكبّر في الشعا ... ر وبالتعاظم في الرداء
وهو الجليس بذكره ... للعارفين وبالثناء
غنّى بمن غنّى وقد ... طبنا به لا بالغناء
وبدا بكلّ مهفهف ... زاكي الملاحة والبهاء
وبه القلوب تهيمت ... لا بالموشح في القباء
قمر محا ظلماتنا ... بطلوعه وقت اللقاء
حتى رأيناه به ... في كلّ أنواع الضياء
شمس وكلّ الخلق في ... أنوارها مثل الهباء
طلعت فأعدمت السّوى ... والكون آل إلى الفناء
حتى تجلّى في غما ... ثم باطل غيب العماء
فاختصّ قوما بالضلا ... ل وعمّنا بالاهتداء
والكشف جاء بعسكر ... والكون خفّاق اللواء
والطّبل أجسام الملا ... والزمر أرواح الفضاء
وبموكب الأملاك حف ... ف الغيب سلطان الوفاء
هذا فكيف عقولنا ... لا تضمحلّ من الهناء
وقال رضي الله عنه:
ظهر الوجود بسائر الأشياء ... متجليا جهرا بغير خفاء
والكلّ فيه هالك قد قال إلا ... وجهه الباقي عظيم بقاء
واعلم بأنك لا ترى منه سوى ... ما أنت رائيه من الأشياء
إذ أنت شيء هالك في نوره ... والنّور يحرق حلّة الظلماء
إنّ الوجود عن البصائر غائب ... من حيث ما هو ظاهر للرائي
لا تدرك الأبصار منه سوى السّوى ... وهي الحوادث جملة الأفياء
والفيء يكشف أنّ ثمة شاخصا ... متحكّما فيه بغير مراء
فاحذر تظنّ بأنّ ما أدركته ... ذاك الوجود وكن من العلماء
فجميع ما أدركته الموجود لا ... هو ذا الوجود الحقّ ذو الآلاء
إنّ الوجود الحقّ عنك ممنع ... في عزّة وترفّع وعلاء
وجميع ما أدركته هو حادث ... فان وأنت كذاك رهن فناء
لكنه بك قد تجلّى ظاهرا ... وبسائر الأشياء باستقصاء
فرأيته من حيث لم تعلم به ... وعلمته في رتبة الأسماء
فعلمت رتبته وأنت لذاته ... راء وتنكر أنت أنك رائي
إذ لم تكن تعلم به من حيث ما ... هو في تدان للورى وتناء
ولقد أتى هو ظاهر هو باطن ... فافطن له في محكم الأنباء
وقال رضي الله عنه موشح [1] :
(دور) ألا يا من بدا فينا ... بأوصاف وأسماء
فألهانا به عنّا ... دواء كان للدّاء
(1) الموشح: نوع من الشعر استحدثه الأندلسيون، وهو نظم غنائي يعتمد على تغيّر الوزن وتعدّد القافية.