يا لأمر مقدّس غاب عنّا ... يقذف الخلق من مكان سحيق [1]
نتفانى به فنفنى فنبقى ... منه نشتمّ طيب مسك فتيق
قيّدتنا التوجهات علينا ... منه كيف اقتضت بحكم طليق
وهدانا إليه برق التجلّي ... في دياجي إمكاننا بالبريق
فشربنا هواه ممّن وجدنا ... عنده بالدّنان والإبريق
وأقمنا على المحبة نلقى ال ... غير عنها بحفظ عهد وثيق
وقال رضي الله عنه:
كيف يا قوم يوصف المخلوق ... بوجود وأصله ممحوق
عدم كلّه وقد قدّرته ... أزلا قدرة عليه تحوق
فهو شأن مقدّر من قديم ... لم يكن للوجود فيه طريق
ولقد جاءت النصوص بهذا ... في كتاب وسنّة ذا مسوق
وإذا كان هكذا الأمر قل لي ... كيف وصف الوجود فيه يليق
والذي بالوجود يوصف ماذا ... أين يا عقل أنت والتحقيق
فإذا الخلق قيل نفس وجود ... لا بوصف الوجود ذا مرموق
قلت: إنّ الوجود في كلّ شيء ... واحد كلّهم به مطروق
طبق ما قيل: إنّه هو جنس ... وهو للاشتراك فيه يسوق
وليك الفرق ظاهرا بذوات ... وشخوص سوى الوجود تروق
وإذا كانت الذوات وجودا ... وكذاك الشخوص زالت فروق
وغدا الكلّ واحدا ومحال ... ذاك في العقل ليس فيه وثوق
فافهموا يا عقول ذا القول وادروا ... وأدركوا ما ترونه واستفيقوا
وقال رضي الله عنه:
له الغرب من أوج العلى ولنا الشرق ... وما بيننا في مقتضى ذاتنا فرق
وهل باسم محيي الدين يمتاز في الورى ... وعبد الغني إلّا من الشجر العرق
كلانا وجود واحد وهو ذات من ... لها إنّني برق كما إنّه برق
وما النور إلّا النار في نظر السّوى ... وللنار إطفاء به ولها حرق
(1) السّحيق: البعيد.