كان فرعون قاصدا تحقيقه ... بالدعاوى فزندقته الحقيقه
ثمّ لمّا طغى فقال لقوم ... إنّني ربّكم يضلّ فريقه
ولكم ما علمت غيري إلها ... ونسي سالف العهود الوثيقه
فأطاعوه في المقال بجهل ... ورأى كلّ جمعهم تصديقه
أرسل الله بالشريعة موسى ... وأخاه هارون معه شقيقه
ينكران الضلال منه بجمع ... لم يضف مع حضوره تفريقه
قال قولا له على القرب مكرا ... منه حتى في البحر ذاق غريقه
قال آمنت طامعا في حياة ... مثل موسى فلم يجد تعويقه
ولقد كان عارفا بالتجلّي ... فيه لكن دهاه قطع الرقيقه
حيث أضحى ينفي السّوى منه للعي ... ن على غرّة بنفس رشيقه
ثمّ لمّا تدارك الأمر كشفا ... وجد الحقّ باعثا توفيقه
وهو من قبل ذائق ليس يخفى ... عنه في جانب الإله دقيقه
غير حكم السّوى به فرأى المو ... ت الطبيعيّ يقتضي ترقيقه
فأحسّت بقطعها النفس منه ... عن إله تعوّدت تعليقه
آية الانشقاق قد نبّهته ... فأصاب الهدى بنفس مفيقه
ورأى وسع رحمة الله حتى ... جاءها مسلما فلم ير ضيقه
ولقد صار آية لأناس ... بعده في شريعة وحقيقه
جاء موسى إليه بالشرع يدعو ... منكرا للحقيقة الزنديقه
وأراد الإله إطلاع موسى ... أنّ في الباطن العلوم الأنيقه
وابتلاه فلم يطق صحبة الخض ... ر وقد كان في المسير رفيقه
فغدا منكرا عليه إلى أن ... نال تغريبه وذا تشريقه
ومشى الناس في شريعة موسى ... ليس يدرون غيرها في الخليقه
وعليها قد جاءت الرّسل حتى ... كان عيسى وأمّه الصدّيقه
فأراهم حقائقا جهلوها ... وعليه الحمار أبدى نهيقه
ثمّ همّوا بقتله فوقاه الله بالرفع مشهدا لن يطيقه
ثمّ إنّ الإله أرسل بالجم ... ع وبالفرق نفس حرّ شفيقه
فدعا الناس ظاهرا ودعاهم ... باطنا فهو مسجد وحديقه
سيّد المرسلين قد ودّ موسى ... لو رأى منه طيب تلك السليقه [1]
وسيدعو لشرعه الناس عيسى ... ثمّ في قبره يكون لصيقه
هكذا الأمر جاء صلّى عليهم ... ربّنا ما نفى الجديد عتيقه
وقال رضي الله عنه:
إنّ روحي بك روح مطلقه ... علقت من حين كانت علقه
نطفة من أكل أدم وغذا ... ركبت من أربع متفقه
من تراب ثمّ ماء وهوا ... ثمّ نار رتب مفترقه
ظهرت عن كلّ جسم وهو عن ... ألف الغيب الهيولى اللبقه
والهيولى عن صفات ظهرت ... وهي عن ذات بكلّ محدقه
فهي روح آخر الأمر كما ... أوّل الكلّ غدت مستبقه
حملت للكلّ والكلّ لها ... حامل كالعين ذات الحدقه
ولها الكلّ لباس فمتى ... عرفت نالت يقينا وثقه
وتدلّت وتدانت شرفا ... من جنان عاليات عبقه
ومقامات وأنواع على ... ما على شيء هنا منطبقه
ومتى ما جهلت حلّت لظى ... وغدت في جهلها محترقه
وهي في أنواع ذلّ وأذى ... وهي في دنيا وأخرى قلقه
فافهم الأوّل والآخر لا ... تجهل الرزّاق والمرتزقه
واعرف الرزق وحقّقه به ... إنّه الحقّ وكن معتنقه
ذا وجود نازل في رتب ... بأمانات لها أو سرقه
وقال رضي الله عنه:
إنّما رزقك الذي حزته في ... يدك اقنع به بنفس مفيقه
وتأمّل في رزق غيرك تلقا ... هـ خيالا لديك ليس حقيقه
(1) السّليقة: الطبيعة والسجيّة (ج) سلائق.