إنّ شربي شرب الجمال الهيم ... من كؤوس الجمال ذات القديم
عدم ظاهر بنور وجود ... في ظلام على الصراط القويم
فارفقوا في سلامتي يا رفاقي ... والطفوا بالملامتيّ العديم
علم الله بي ولم أك شيئا ... فأنا الآن طبق علم العليم
يتجلّى بي تارة فيريني ... وجهه الحقّ في أجلّ نعيم
وله الاستتار بي تارة عن ... نظري في كثائف التجسيم
فأرى نفسي التي هي منه ... حدثت قد حكت هبوب النسيم
بين جمع وبين فرق شهود ... واعتقاد حال كعقد نظيم
هذه حالتي وهذا مقامي ... كلّ حين بحسن أمر مقيم
فانكروني أو فاتركوني وشأني ... لا تخوضوا بي في عطاء الكريم
أو بداعي الإلهام فاعتقدوني ... لتنالوا ما نال كلّ حكيم
وقال رضي الله عنه:
هو الوارد القدسيّ كالسيل يحطم ... فلا يستطيع القلب ذلك يكتم
جرى في مجاري الروح من حضرة العلى ... فصادفنا نهواه والقلب مغرم
فنلقيه نظما تارة بكلامنا ... ونلقيه نثرا عند من هو يفهم
نفرّج عنّا ما نقاسي بوقعه ... فصولته غلّابة والتحكّم
له محونا طورا وطورا ثبوتنا ... ونحن به في جنّة نتنعم
ألا عم صباحا قول من قال قبلنا ... له ومساء نحن قلنا نتمم
وليس الذي قد قال من كلّ قائل ... ومنّا سوى الغيب الذي يتكلم
هو الظاهر المعروف في كلّ ظاهر ... هو الباطن المجهول من ليس يعلم
عرفناه لا أنا عرفناه مثل ما ... عرفنا سواه والسّوى فيه يعدم
وهيهات هيهات الوجود القديم لا ... يشير به عرفاننا ويترجم
وقال رضي الله عنه:
ارفع يديك إلى السماء تضرّعا ... لله في كلّ الأمور لتغنما
أو ما ترى البلسان مدّ يديه قد ... رفع الكفوف البيض منه إلى السّما [1]
وقال رضي الله عنه موشح:
روّق الكاسات ... يا ساقي المدام ... في هذا المقام
واسق للسادات ... في جنح الظلام ... خمر الاصطلام
واخرق العادات ... ما بين الكرام ... أهل الاحترام
هات كاسي هات ... لا تخش الملام ... أنت لي إمام
(دور) هذه الأحوال ... بغية القلوب ... لمحة الغيوب
من إليها مال ... هبّت الجنوب ... شقّت الجيوب
فزت بالآمال ... والفتى يذوب ... كلّما يتوب
واغتنم ما فات ... قبل الانخرام ... نلت ما يرام
(1) البلسان: شجر له زهر أبيض صغير بهيئة العناقيد، وهو من الفصيلة البخورية، ويستخرج من بعض أنواعه عطر.