وإذا لم يفتح فحسبك منه ... أنّك المؤمن الجليل المقام
واحترز من آراء أهل عقول ... تبعوا ما يقول أهل التعامي
إنّ علم الكلام محض كلام ... في بيان الأعراض والأجسام
هو جرح للدين ما فيه أمر ... ظاهر للعيان غير الأسامي
نظر العقل فوقه نظر الشر ... ع وفيه انخرام ذاك النظام
أين نور الإيمان من نور عقل ... ناظر بالخيال في الأحكام
إنّ أهل الإيمان في نور غيب ... وذوو العقل كلّهم في ظلام
تتراءى العقول شيئا بعيدا ... لاح بين الإيجاد والإعدام
بدليل يستنبطون هداه ... وهو وهم إلى الردى مترامي
فإذا جاءهم دليل نفاه ... ورمته الفهوم في الإيهام
بخلاف الإيمان بالغيب قطعا ... فهو يهدي إلى الهدى بالتمام
قلّد الله يا ابن قومي وقلّد ... رسل الله أصدق الأقوام
إن تكن مؤمنا بربّك أسلم ... لعلوم المهيمن العلّام
لا تظنّ الدليل يهدي إليه ... أو يرى موقظا عيون النيام
هو للعقل سلم للمعاني ... تترقى به إلى الأسقام
كن بإيمانك المقلّد واقنع ... فيه بالله والنبيّ التهامي
لا تفارق تقليد شرعك محضا ... خالصا عن شوائب الانبهام
كيف تدري العقول معرفة الله وإدراكها على أقسام
عقلك الخلق عابد منك خلقا ... لك يبديه فتنة للعوام
لمتى أنت هكذا في غرور ... ها هو الموت مسرع الإقدام
فتحفّظ من حكم عقلك فيما ... لست تدري من الأمور العظام
لا تخض بالعقول في ذاك واقعد ... مؤمنا مذعنا لنيل المرام
ربّما النور نور إيمان غيب ... يكشف الخلق فيك بالإلهام
فترى ما ورا العقول وتدري ... ما الذي كنت عنه أسر المنام
هذه وهذه شريعة طه ... خاتم الأنبياء خير ختام
صلوات من الإله عليه ... كلّ وقت مقرونة بسلام
ما سرت نسمة ومالت غصون ... تتثنّى على غناء الحمام
وقال رضي الله عنه مواليا:
هذا الحبيب الذي بالقهر غيّرهم ... وبالعمل بخلاف الشرع عيّرهم
حكم عليهم وبالأعمال خيّرهم ... والكلّ فانون حتّى فيه حيّرهم
وقال رضي الله عنه:
بنى الكلّ ثمّ لهم قد هدم ... وجود له صور من عدم
تجلّى فلا شيء غير الذي ... أحاط به علمه من قدم
وذاك تقاديره الفانيات ... فمنها ملوك ومنها خدم
أحاطته حسبوها لهم ... وجودا وهم أسر لحم ودم
فلو عرفوا ما بهم من فنا ... لفازوا وكان ثبوت القدم
ولكنّهم جهلوا أنفسا ... لهم فانيات فحلّ الندم
وبالموت يدرون أحوالهم ... ويدرون ما قد بنوه انهدم
وينكشف الأمر إنّ الذي ... بنوه الوجود لهم وانعدم
وعادوا كما ابتدئوا أوّلا ... مع الله لا شيء هم وانختم
وقال رضي الله عنه:
إمامنا هو الإمام الأعظم ... أبو حنيفة الفتى المقدّم [1]
نمشي به في حضرة ظاهرة ... نحن بها لغيرنا المعلّم
وشيخنا الشيخ الهمام الأكبر ... في باطن الأمر الذي لا يفهم
فاصبر علينا لنريك ما نرى ... وانظر إلى النور بدا يا مظلم
هذا صراط الله مثل شعرة ... دقيقة وأنت غرّ أبلم [2]
يديرك الوسواس كيفما جرى ... عدل من الله وأنت تظلم
نحن الذين عقلنا من تحتنا ... وعلمنا من الإله نعلم
(1) أبو حنيفة: هو النعمان بن ثابت (15080هـ 767699م) التيمي بالولاء، الكوفي، إمام الحنفية الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السّنّة. ولد ونشأ بالكوفة وكان يبيع الخزّ ويطلب العلم في صباه، ثم انقطع للتدريس والإفتاء، وأراده عمر بن هبيرة على القضاء فامتنع ورعا كذلك أراده المنصور العباسي على القضاء ببغداد فأبى فحبسه إلى أن مات. له «مسند» في الحديث، و «المخارج» في الفقه وغير ذلك. الأعلام 8/ 36، وتاريخ بغداد 13/ 423323، والنجوم الزاهرة 2/ 12، والبداية والنهاية 10/ 107.
(2) رجل أبلم: أي غليظ الشفتين.