ولا سفر لا غربة لا إقامة ... ولا حضر يوم اللقاء ولا بدو
لقد شغلتنا الظاهرات بمن بها ... لنا ظاهر حتّى استوى الجدّ واللهو
ورقّت غليظات الأمور وروّقت ... كؤوس المعاني فالأماني لها تلو
فلا عجب إن طرت من رونق الهوى ... وإن زجّ بي في نور غيبي فلا غرو
وما الفخر إلّا فخر مثلي على السّوى ... وزهو مقامي في التجلّي هو الزّهو
ولي نفس يعلو بغير تكلّف ... وغيري بتكليف له النفس الرّبو
وبحر المنى رهوا تركناه للورى ... وما بحر عشقي عند خائضه رهو
بدت نار ليلى والظلام ينيرها ... من الكون حتى زال عندي لها العشو
وما كلّ ذي قلب ينال منالنا ... من الغيب لكن كلّ بئر له دلو
هي الروضة الغنّاء أغنت بحسنها ... عن الكلّ فيها عرعر الغير والسرو [1]
وأغصانها منها تدلّت كرامة ... علينا وقد طاب التناول والعطو
هي الجنّة الفردوس والقلب بابها ... ومن جاءها من نفسه صدّه العمو
ولا جهل والعلم اللدني شعارها ... ولا ذنب إذ منها التجاوز والعفو
تعلّقها قلبي فأوردت الرّدى ... لنفسي فأفنت والهوى للردى صنو [2]
فريدة حسن لم تزل أحديّة ... وليس لها مثل وليس لها كفو
علامتها محو النفوس إذا بدت ... وذلك محو للنفوس ولا محو
تجلّت على العشّاق نحو مرامهم ... فلذّ لهم في حبّها ذلك النّحو
ويسعى ويعدو كلّ شيء بأمرها ... إليها فيحلو منهم السعي والعدو
وكنت وكانت حيث لا كان ههنا ... ولكن على المعنى لها القهر والسّطو
تعالت كما شاءت بنا وتباركت ... فجلّت عن الأفهام وانقطع الخطو
وقال في كتابه الفتح المدني في النفس اليمني:
يا صدق قوم عن جمالك قد رووا ... وعلى بديع صفات سيرتك احتووا
لبسوا ثياب النور نورك في الدّجى ... ومشوا بها وإليك عنهم قد لووا
كشفوا القناع ولا قناع سوى السّوى ... وبعذب منهلك الرويّ قد ارتووا
وبواو ودّك نحوك انعطفوا وما ... سمعوا كلام العاذلين وإن عووا
(1) العرعر: جنس أشجار من الصنوبريات، فيه أنواع تصلح للأحراج وللتزيين.
(2) الصّنو: النظير والمثل أو الأخ الشقيق.