* الملحوظة الثالثة: روى مسلم في الصحيح عن أنس (( ان النبي صلى الله عليه وسلم مر ّبقوم يلقحون، فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصا، فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا و كذا، أنتم أعلم بأمر دنياكم ) ).
وفي رواية أن رسول الله قال: (( إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر ) ).
وفي رواية (( فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا، فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل ) ). [صحيح مسلم ـ باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي] من كتاب الفضائل.
وحديث تأبير النخل رواه أحمد في المسند 152/ 3.
قال النووي في شرح صحيح مسلم: (( قال العلماء: قوله صلى الله عليه وسلم (( من رأي ) )أي: في أمر الدنيا ومعايشها، لا على التشريع، فأما ما قاله باجتهاده، ورآه شرعًا فيجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل من النوع المذكور قبله.
وقال العلماء: ولم يكن هذا القول خبرًا وإنما كان ظنًا، كما بينه في هذه الروايات.
قالوا: ورأيه صلى الله عليه وسلم في أمور المعايش، وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا ولا نقص في ذلك )) .
أقول: ومما يدل على أن ما أبداه رسول الله في قصة تلقيح النخل، كان بصفة الرأي الشخصي الإنساني، ولم يكن تشريعًا ـ أن القصة كانت خاصة بقوم مخصوصين في مكان مخصوص، ولم تكن عامة في أهل المدينة، لأن الحديث يقول (( مر بقوم ) )ولم ينتقل هذا الخبر إلى غيرهم، لأن الشيص (ثمر البلح الذي لم يلقح) ظهر في البستان عينه الذي أشار النبي على أصحابه بأن لا يلقحوا.
ولو كان تشريعًا يراد به العموم، لأعاد النبي صلى الله عليه وسلم ذكر القصة في مجمع من المسلمين، أو أرسل من يخبر أهل النخيل بذلك.