الصفحة 2 من 269

* وعلى تنوُّع ألوانِ التحريفِ بدايةً من كسرِ أحرُفِ المضارعة، وإسقاطِ الإعراب من أواخر الكلم، إلى الإعلال والإبدال نجد أن أشدَّ بلاءٍ أصاب الفُصحى في نحرها، وأسالَ قطراتِ مائها العذب في خِضَمِّ التشويه، ذلك اللون الذي صبَّ جَمَّ شراسته على حروف اللغة فسلك بها طُرُقًا لا تهدي إلا إلى الضلال، وهوى بها إلى مُعْتَقَلٍ أودع به كل الحروف التي يَخرُجُ فيها اللسانُ عند نطقها: (الثاء، والظاء، والذال) فصار المثقفون (مُسَقفين) في لهجاتهم، وصار الظُّهر (ضُهرًا) ، والذكاة التي هي بمعنى الذَّبح صارت (زكاة) بمعنى الطَّهارة. فصارت الثاء تاءً أو سينًا، وصارت الظاء زايًا أو ضادًا، وصارت الذال زايًا. ومن عجائب الرُّقَع التي ضَاقَ بِها ذَرْعًا صَدْرُ لُغتِنا إعدامُ الحروف المفخَّمة، والإصرار على أَنْ يُبْدَلَ بها الحروف المرقَّقة فصارت الصاد سينًا، والضاد دالًا، والطاء تاءً، والخاءُ صارت كطواشيّ نساء القصر. وحرف القاف صار همزة أو جيمًا. وحرفُ الجيم الشَّديد المجهور قَهَرَتْهُ القاهرةُ فصار يُنْطَقُ مثل نُطق الـ ( g) في كلمة ( good) ،"وفي المقدِّمة الجَزَرِيَّة ذَكَر الإمام ابنُ الجزريِّ أبياتًا منبهًا فيها على أن الجيم مثل الباء فكما أن الباء شديدة مجهورة كذلك الجيم، فقال:"

وَبَاء بَرْقٍ بَاطِلٍ بِهِمْ بِذِي ... واحرصْ على الشِّدَّةِ والجهرِ الَّذي

فِيها وفي الجيم ..." (1) "

ومن أراد أن يرى العَجَبَ العُجَاب، الذي جذب الكلمات الفصحى من السحاب إلى الحضيض، فلينظر إلى كلمة (قِثَّاء) التي وردت في قوله

(1) انظر سراج الباحثين تأليف كوثر الخولي الجزء الأول صـ363.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت