رويت آثار عديدة عن مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم - بوقوع طلاق الثلاث ثلاثًا والصحابة كما هو معلوم أشد الناس اتباعًا واقتداء بالمصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وما نالوا ما نالوا إلا بتمسكهم بكل صغير وكبير عن سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم -، وامتثالهم لأمر الله تعالى ولذلك لا نجدهم لهم مخالفة في أمر للرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه حكم، أو يقولون ويفعلون ما تأمرهم به نفوسهم، فحاشاهم عن ذلك، وأمر وقوع الطلاق ليس من الأمر النادرة التي يمكن للعقل أن يتصور خلو عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها، بل إن الزواج من الأمور الأساسية، وطالما وجد الزواج وجد الطلاق، لاختلاف الطبائع والأذواق والأهواء بين الناس.
وعليه فلا بد أن يكون حصل طلاق بصوره المختلفة مرات ومرات في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - واطلع عليه الصحابة - رضي الله عنهم -، حتى أنهم عندما استفتوا في مسائل أجابوا بما علموا عنه - صلى الله عليه وسلم - لا عن اجتهاد منهم في الأمر، وفي ذلك يقول محمد الخضري الشنقيطي (1) : (( وهذه الأخبار المأثورة عن الصحابة ومن بعدهم كثيرة، وهي في حكم المرفوع؛ لأنها لا مجال للرأي فيها ) ).
ومن آثار الصحابة في ذلك:
أولًا: عمر بن الخطاب - رضي الله عنه:
33.روى عبد الرزاق (2) : عن الثوري عن سلمة بن كهيل قال حدثنا زيد بن وهب قال: لقي رجلا ً لعابًا بالمدينة. فقال: أطلقت امرأتك. قال: نعم. قال: كم؟ ألفًا. قال: فرفع إلى عمر - رضي الله عنه -، قال: فطلقت امرأتك. قال: إنما كنت ألعب.
فعلاه بالدرة، وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاثة (3) .
(1) في لزوم الطلاق ص40.
(2) في مصنفه 6: 393.
(3) رجاله ثقات. وقال الكيرانوي في الإنقاذ 11: 182: وهو سند صحيح رجاله رجال الجماعة.