وداود بن الحصين: من الدعاة إلى مذهب الخوارج الشراة ولولا أن مالك بن أنس روى عنه لترك حديثه، كما قال أبو حاتم، وقال ابن المديني: ما رواه الحصين عن عكرمة فمنكر. وكلام أهل الجرح والتعديل فيه طويل الذيل، ومن قبل روايته إنما قبل ما سلم من النكارة من مروياته، فكيف تقبل رواية مثله ضد روايات الثقات عن ابن عباس، فأصاب جدًا من قال: إنه منكر.
ولا يصح عن أحمد تحسين هذا المتن بمثل هذا السند، وهو القائل بأن طاووس عن ابن عباس - رضي الله عنه - في الثلاث شاذ مردود كما قال اسحاق بن منصور وأبي بكر الأثرم )) .
ثم قال: (( وعلى القول بصحة خبر البتة يزداد به الجمهور حجة إلى حججهم وعلى دعوى الاضطراب في حديث ركانة كما رواه الترمذي عن البخاري، وعن تضعيف أحمد لطرقه كلها ومتابعة ابن عبد البر له في التضعيف يسقط الاحتجاج بأي لفظ من ألفاظ رواية حديث ركانة.
ومن جملة اضطرابات هذا الحديث روايته مرة بأن المطلّق هو أبو ركانة وأخرى بأنه ابنه ركانة لا أبوه، ويدفع أن هذا الاضطراب في رواية الثلاث دون البتة وهي سالمة من العلل متنًا وسندًا ولو فرضنا وجود علة فيها يبقى سائر الأدلة بدون معارض )) .
فمن هذا التفصيل يتضح أن رواية: البتة هي المقبولة والمصححة عند الحفاظ دون رواية: طلقها ثلاثًا، حتى غلطوا ووهموا من رواها.
وسيأتي زيادة تفصيل في رد استدلال المخالف فيه في المبحث الرابع من الفصل الثاني.
ووجه دلالة حديث ركانة - رضي الله عنه - بلفظ البتة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سأل ركانة: ما أردت. فلو قال: أردت ثلاثًا لأوقعها ثلاثًا كما معلوم في ألفاظ الكنايات؛ إذ المعول فيها على النية، فلو كانت الثلاث لا تقع ثلاثًا لما احتاج الرسول - صلى الله عليه وسلم - لسؤاله عن ما أراد بها، ولأوقعها دون سؤال واحدة، ولكن سؤاله وتحريه يدل على أن الطلاق الثلاث يقع بلفظ واحد.