وبالجملة فإن المعتمد في تفسير هذه الآية الكريمة هذان الوجهان اللذان ذكرهما كبار علماء التفسير، فيجب التعويل عليهما أو على أحدهما، بهذا التفصيل ظهر جليًا مدّعى المخالف في الاحتجاج بهذه الآية على مراده، وهو خلاف ما عليه أهل التفسير قاطبة، ويؤكد ذلك سبب النزول، فإن المراد بكلمة {مرتان} في الآية اثنان مجتمعان أو متفرّقان، وأن المقصود بها بيان العدد الذي يصح فيه الرجعة والذي لا تصح فيه تلك.
وعليه فيكون احتجاج الخصم بلفظ مرّتان ليس صحيحًا؛ لأن الله لم يقل: اثنان بدل مرّتان؛ لأن الطلاق بالمرة أليق وأولى مجالًا الزوجين كما لا يخفى، ولمناسبة سبب نزول الآية، وهو أن المرأة المشتكية لدى النبي - صلى الله عليه وسلم - طلقها زوجها مرارًا من غير حد، فمنعه الله تعالى بقوله: {الطلاق مرتان} ، وحكم عليه أن الطلاق الذي ثبت فيه الرجعة لا يكوه أكثر من مرتين المستلزمتين المطلقتين لا لعدم صحة اثنين، واستعمال مرتان في اثنان شائع كما شهد به استعماله في القرآن والسنة واللغة (1) .
وعلى الوجه الآخر أيضًا ليس لهم فيه حجّة، لأنه لبيان سنة الطلاق، وليس فيه منع وقوع الطلاق إن خالف هذه السنة، وأيضًا ليس في الآية تفريق في المدة بين المرّتين، فقد تكون ساعة أو يومًا أو أسبوعًا أو شهرًا أو حيضة أو غيرها، وتقييد كل مرة بطهر لا يقوم عليه دليل كما ذهب المخالف.
روى مسلم (2) : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع واللفظ لابن رافع قال إسحاق أخبرنا وقال ابن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم.
(1) ينظر: شفاء العليل ص 12-14.
(2) في صحيحه 2: 1099.