فهذا مؤذن، وهذا إمام، وهذا والد، وهذا مدرس، وهذا موظف، وكل منا على ثغر من ثغور الإسلام؛ فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبله.
وإن من أكبر مصائب الأمة أن لا تدري أين مكمن الداء فيها؛ فتضل في حيرة من أمرها، أو ربما تظن الداء دواء لجراحاتها.
فما أكثر الذين يتباكون ويتلاومون على واقع الأمة؛ وكأنهم يدعون لأنفسهم الكمال، فإذا تأملت في واقعهم، وسبرت أحوالهم وجدت أن كثيرًا منهم من أكبر أسباب ضعف الأمة؛ بل العبء الأثقل على كاهل الأمة، شأنهم التلاوم والقيل والقال، والتنصل من مسؤوليات الأمة، وانتقاد الولاة والعلماء والدعاة والمصلحين والعاملين؛ مع التفريط والإضاعة؛ بل والخيانة فيما عليهم من مسؤوليات وواجبات في حق الله وحقوق الأمة، تفريط في حقوق الله، وفي حقوق الوالدين والأولاد، والأزواج والأقارب والجيران، وفي حقوق عامة المسلمين ومسؤوليات الأمة، وقد قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [1] .
فالأمة ليست بحاجة إلى الدعاوي الفارغة والحماس الأجوف؛ بل هي أحوج ما تكون إلى رجال لهم رصيد من الصدق مع الله وتقواه بأداء حقوقه وحقوق الخلق؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن لم يجاهد النفس والشيطان فلن يستطيع مجاهدة الأعداء، ومن خان حي على
(1) سورة الأنفال، آية: 27.