الوقفة الثانية والعشرون: إن أحوال الناس تثير العجب والدهشة؛ فهم لا يدخرون جهدا في تنعيم هذه الأجسام بالأطعمة والمشروبات والألبسة والسفر والتنزه؛ فيفرون بأبدانهم إلى ما يسعدها ويطربها؛ ولكنهم نسوا تلك الروح التي هي مدار الحياة وسر الوجود الإنساني؛ فأسعدوا الأبدان التي مردها إلى التراب والديدان، وأهملوا الروح وأوردوها شر الموارد؛ فإنقاذ الروح من العذاب الأخروي - بل وحتى من الضيق والكبد الدنيوي - أولى وأدعى من تنعيم هذا الجسد الذي سيبلى.
الوقفة الثالثة والعشرون: إن من أطرف ما ترى من أمور بعض الناس حرصه على حماية ممتلكاته من الشمس وحرارتها؛ فيحرص على سيارته وحجارةِ وطلاءِ بيته من الشمس؛ ولكن المسكين لا يرحم نفسه وأهله من نار تلظى تذوب فيها الحجارة والحديد.
الوقفة الرابعة والعشرون: إن نار الدنيا التي تَوَقَّد ما هي في حقيقتها وتضرمها إلا جزء من سبعين جزءا من نار جهنم [1] ؛ فإن كان المرء منا لا يستطيع أن يواجه أو يقرب من النار؛ بل ولا حتى أشعة الشمس حين تقوم قائمة الظهيرة؛ فهل لي أو لك قدرة على الاصطلاء بنار جهنم حمانا الله وإياك والمؤمنين منها.
الوقفة الخامسة والعشرون: إن المريض عندما يجد شيئا من أثر المرض يترك لذيذ المطعم وحلو المشرب في سبيل الشفاء أو التخفيف من ذلك الداء؛ فكيف بمن يخبره مولاه سبحانه وتعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عن
(1) البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار، مسلم، كتاب الجنة، باب شدة حر النار.