الأسرار ما الله به عليم، فحين يسخن الهواء وتشتد أشعة الشمس تنضج الثمار، وتتحلل فضلات الأبدان، وتبرد الأغوار، وتخرج حرارة الأجساد، وحين يجيء الخريف ويعتدل الزمان ويصفو الهواء، ففي ذلك كله حكمة بالغة وآيات ماثلة وكل ذلك يحدث في تدرج بديع ومراحل برزخية وأوقات بينية، وقبل ذلك إيلاج الليل في النهار وانسلاخ النهار من الليل كل ذلك قد لا يعيه العقل حقيقة إلا حينما نتصور لو انتقل الإنسان من الحر الشديد والبرد الشديد أو من الظلام الدامس إلى النهار المبصر, فسبحان من جمع بين ضياء النهار وظلام الليل وحر الصيف وبرد الشتاء مع تضادهما متعاونين متظاهرين لإقامة مصالح العباد [1] ، قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [القصص: 71، 72] فسبحانه خص النهار بذكر البصر فيه، وخص الليل بالسمع؛ إذ تسكن الأصوات، قال تعالى: {فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12] {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الحديد: 6] .
وبعد هذه الكلمات التي نسأل الله أن يحيي بها قلوبنا، يجدر بنا أن ندلف إلى موضوعنا الرئيس ألا وهو ما بدأنا نلمسه ونشعر به هذه الأيام، فها هي الشمس تقترب أو عَلَّها وصلت أوجها في السماء حيث تسقط أشعتها عمودية على مدار السرطان بما يسمى (الانقلاب الصيفي) وذلك في 22 يونية حيث تدخل الشمس عبر
(1) انظر: مفتاح دار السعادة، لابن القيم، ص 215.