الصفحة 11 من 31

مع جلساء السوء كالذي يجاور نافخ الكير وهو صاحب الحدادة، إن لم تصبه النار وتحرق ملابسه فلا أقل من أن يتصاعد الدخان والرماد إلى خياشيمه ويسد نفسه.

فكذا قرناء السوء إن لم يشاركهم في ارتكاب الجرائم والموبقات أساء إلى سمعته وأهبط من منزلته وعرض نفسه للتهم بسبب صحبتهم فقط.

أخي الحبيب:

وبما تقدم وغيره يظهر لنا جليًّا الفرق بين أهل الهدى والتقى وما لهم من الفضل وما حباهم الله من النعم والمنن في الدنيا والآخرة. وبين أهل المعاصي والردى وشرهم المستطير وأذاهم للناس وما لهم عند الله عز وجل من العذاب والنكال جزاءًا وفاقًا.

قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [1] . فقوله {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} أي ييسره له وينشطه ويسهله لذلك فهذه علامات على الخير قوله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} وقال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} . وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} يقول تعالى: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به. وكذا قال أبو مالك وغير واحد.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن عمر بن قيس عن أبي جعفر قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم ذكرًا للموت وأكثرهم لما بعده استعدادًا» وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: «نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح» . قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت» [2] .

(1) الأنعام: 125.

(2) رواه الحاكم وغيره من طرق ضعفها أهل العلم ولكن قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (2/ 171 - 175) أن بعضها يشد بعضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت