ووضح أهل العلم واستنبطوا من كتاب الله وصحيح سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن القلوب هي محل الابتلاء والتمحيص والأعمال التي لو استعرضناها جميعًا لعلمنا أنَّ لهذه القلوب شأنًا عظيمًا عند الله تعالى؛ فمثلًا نقول وربما يتساءل الكثيرون لماذا أناط الله البلاء بأوليائه وهم أكرم عليه من أعدائه فالأنبياء يبتلون والأولياء والصالحون يتبلون وأعداء الله المبغوضون عند الله وعند عبيده لهم الدولة والقوة وهم الذي يعذبون المؤمنين ويشردوهم والله قادر على أن يمكن لأوليائه فلمَ أعطى الدولة لأعدائهم؟، أيها الأخوة الكرام إن العبد يوزن يوم القيامة بسلامة قلبه لا بسلامة جوارحه، فسلامة قلوبنا عند الله مقدمة على سلامة أجسادنا وجوارحنا يبتلينا الله بجوارحنا ويحفظ لنا قلوبنا فإذًا رحمنا.
فحياة القلب من المحن فالقلب يستمد حياته من المحن ومن العواصف، لذلك نجد أضعف الناس قلوبًا أهل الترف من ضعيفي الإيمان، وأهل البلاء هم أقوى الناس قلوبًا؛ لذلك أناط الله تعالى البلاء بأوليائه حتى يلقوا الله بقلب سليم، وإن الجارحة تستمد قوتها من القلب، فأيوب عليه السلام عاش ثمانية عشر عامًا في البلاء حتى رفضه القريب والبعيد لكن قلبه كان سليمًا فما ضره ما فاته من الجارحة {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44] .
وروى ابن حبان في الثقات عن عبد الله بن محمد قال: كنت مرابطًا في عرش مصر، قال: فمررت على خيمة، فإذا أنا برجل ذهبت يداه ورجلاه وبصره وثقل سمعه، فسمعته يقول: «رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها علي ... » فقلتُ: سبحان الله ما هذا الذي يقوله هذا الرجل أعلْمٌ عُلَّمه؟ والله لآتينه وأسأله عن أي النعمة