بعيدًا عن قومه الذين عاندوه وخالفوه وكانت السفينة مليئة ومشحونة بالبضائع والركَّاب والأمتعة كما قال تعالى: {إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [الصافات: 140] فلعبت الأمواج بالسفينة وخشي أهلها الغرق، فبدؤوا يتخففون من الأحمال التي معهم بإلقائها في اليمِّ متاعًا تلو متاع، وبضاعة تلو بضاعة.
ولكن كل هذا لم يُجدِ ولم ينفع، فبدؤوا في أمرٍ آخر، وهو التفكير في التخفف من الأشخاص حتى تسلم لهم سفينتهم ويسلم جلُّ الركاب وإن غرق بعضهم، فبدؤوا بالفعل في التفكير الجاد في إلقاء بعضهم في اليم لتخفيف الأحمال والأثقال، ولكن من يُلقى أولًا، فاتفقوا على أن يستهموا فيما بينهم لمعرفة من يُلقى، فوقع السهم على يونس - صلى الله عليه وسلم -، كما قال تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات: 141] فأُلقي يونس - صلى الله عليه وسلم - في اليم، ولله الأمر من قبل ومن بعد، ولكن الله سبحانه وتعالى - وهو على كل شيء قدير - سخَّر ليونس عليه السلام حوتًا عظيمًا جاء يشق البحر، فابتلع يونس - صلى الله عليه وسلم -، ولم تتناوله أسنانُه بأذى لأمرٍ يريده الله ولأمرٍ قد قدَّره الله.
اتجه الحوت ويونس - صلى الله عليه وسلم - في بطنه إلى قاع البحار، فهناك تراكمت على يونس ظلمات: ظلمة بطن الحوت، وظلمة قاع البحر، وظلمات الليل البهيم، فضلًا عما هو فيه من كرب وهمٍّ ونكدٍ وغمٍّ لكونه ذهب مغاضبًا وخرج بغير إذن من الله له بالخروج ولكنه حاول الحركة فبدأ يتحرك، فكان أول من كان من أمره أن قال مناديًا في الظلمات: {أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]