تلك الدعوة التي ما دعى بها مكروب إلا وفرَّج الله همَّه، وكشف الله كربه، فأكثر عليه الصلاة والسلام من التسبيح، كما قال تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143 - 144] ، فسبَّح وسبح وتاب واستغفر، وكان أيضًا قبل هذا البلاء يسبح ويستغفر ويكثر من الصلاة.
وهكذا المؤمنون لا يقنطون من رحمة الله، ولا ييأسون من روحه فقد علموا عن الله عز وجل أنه غافر الذنب وقابل التوب، وعلموا عن رحمة الله عزَّ وجل أنَّها وسعت كل شيء، وعلموا أنه سبحانه كان للأوَّابين غفورًا، فاستغفر يونس واستغفر، وهلَّل ووحَّد وأخلص في الدعاء والله يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، سبح يونس واعترف بالذنب، ونادى ربَّه موحدًا: {أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] فعل ذلك في مكان لم يصل إليه بَشَرٌ حيٌّ بحالٍ من الأحوال، فحينئذ تداركته نعمة من ربه ولاقته رحمة ربه، فلكثرة تسبيحه وتهليله واستغفاره أنجاه الله تبارك وتعالى، كما قال سبحانه: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143 - 144] .
أنجاه الله سبحانه بأن اتجه الحوت إلى جانب البر فقذف يونس عليه السلام ونبذه - أي طرحه - بالعراء {وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 145] ، أي: وهو مريض، ومن فضل الله على هذا النبي الكريم أنه لم ينبذ بالعراء وهو مذموم، ولكنه نُبذ وهو سقيم، كما قال تعالى: {لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} [القلم:49] ، والسقيم غير المذموم.