ونبي الله يونس: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] أي: ظن أن الله لن يضيق عليه، فخرج فكان من أمره ما كان، كان أن التقمه الحوت وهو مليم.
وآدم - صلى الله عليه وسلم - وزوجه لما أكلا من الشجرة حل بهما ما حل، فبعد أن كانا في نعمة وعافية وستر، فكان في الجنة لا يجوع فيها ولا يعرى، ولا يظمأ فيها ولا يضحى! فماذا كان بعد أن أكل من الشجرة؟! كان أن نزع عنه وعن زوجه لباسهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، كان أن أُخرجا من الجنة وأهبطا إلى الأرض حيث التعب والمشقة والنكد والأحزان، لولا أن تداركتهما نعمة الله ورحمته.
وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خالفوا أمر نبيهم - صلى الله عليه وسلم - يوم أحدٍ حلَّ بهم ما حلَّ ونزل بهم ما نزل.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 155] .
أما قوله تعالى: {اسْتَزَلَّهُمُ} أي أوقعهم (أو طلب وقوعهم) في الزلة وهي الخطيئة، وقد ذكر بعض العلماء في ذلك أقوالًا، منها: أن القوم (الذين فروا) كانوا قد ارتكبوا أخطاء فيما سلف(إما قبل القتال، وإما في أثنائه بتركهم مواقعهم ومخالفتهم أمر
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)فخشوا أن يواجهوا العدو وهم على هذه الحال من الذنوب فدفعهم ذلك إلى الفرار، والله تعالى أعلم.
وكذا لما قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفدية من أسارى بدر نزل في ذلك أيضًا ما نزل
ففي صحيح مسلم [1] من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: أبو زُمَيْلٍ: قال ابنُ عَبَّاسٍ: فلما أَسَرُوا الأُسَارَى قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لأبي بكر وعمر: «ما ترون في هؤلاء الأسارى؟» فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار. فعسى الله أن يهديهم للإسلام فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما ترى يا ابن الخطاب؟» قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنَّا فنضرب أعناقهم، فتمكَّن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكِّنِّي من فلانٍ (نسيبًا لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها [2] .
فهوي [3] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت [4] ، فلما كان من الغد جئتُ، فإذا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر قاعِدَيِن يبكيان، قلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدتُ بكَاءً بكيتُ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أبكي للذي عَرَضَ عليَّ أصحابُكَ
(1) مسلم (ص 1358) عقب حديث (1763) .
(2) وصناديدها: يعني أشرافها.
الواحد صنديد، والضمير في صناديدها يعود على أئمة الكفر أو مكة.
(3) فهوي: أي أحب ذلك واستحسنه.
يقال: هوي الشيء يهوى هوى، والهوى المحبة.
(4) ولم يهو ما قلت: هكذا هو في بعض النسخ، ولم يهو. وفي كثير منها: ولم يهوي، بالياء، وهي لغة قليلة بإثبات الياء مع الجازم، ومنه قراءة من قرأ: «إنه من يتقي ويصبر» بالباء.
ومنه قول الشاعر: *ألم يأتيك والأنباء تنمي*