أيهم يحلف [1] .
* أمَّا متى تكون؟ فهي كما قال القرطبي رحمه الله: سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم، وتطمئن قلوبهم وترتفع الظنة عمن يتولى قسمتهم، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعًا للكتاب والسنَّة.
وقال القرطبي أيضًا: قال ابن العربي: القرعة إنما فائدتها استخراج الحكم الخفي عند التشاح، فأما ما يخرجه التراضي فيه فباب آخر، ولا يصح لأحد أن يقول: إن القرعة تجري مع موضع التراضي، فإنها لا تكون أبدًا مع التراضي، وغنما تكون فيما يتشاح النَّاس فيه ويُضَنُّ به.
قال القرطبي رحمه الله: وصفة القرعة عند الشافعي ومن قال بها: أن تُقطع رقاع صغار مستوية، فيكتب في كل رقعة اسم ذي السهم، ثم تُجعل في بنادق طين مستوية لا تفاوت فيها، ثم تجفف قليلا، ثم تلقى في ثوب رجل لم يحضر ذلك ويغطي عليها ثوبه، ثم يدخل ويخرج، فإذا أخرج اسم الرجل أعطي الجزء الذي
أقرع عليه.
قلت (القائل مصطفى) : وهذه صورة لا دليل عليها، وغاية ما فيها أنَّها جائزة، وغيرها - أيضًا - جائز، والله تعالى أعلم.
وهذا مزيد بيانٍ لأمرٍ قد تقدم فإن الله سبحانه وتعالى قد أمر نبيه بالصبر ونهاه عن التشبه بصاحب الحوت فقال: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} .
فظاهر الآيات الكريمة يفيد النهي عن التشبه بصاحب الحوت عند ندائه وهو مكظوم.
ومعلوم أن هذا الظاهر على هذا المفهوم لا يصح.
وذلك لأن الله سبحانه وتعالى قد أثنى على يونس عليه السلام لهذا النداء الذي نادى به فقال: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} .
فنقول، وبالله التوفيق: إنَّما نُهي نبي الله محمد - صلى الله عليه وسلم - عن التشبه بيونس عليه السلام في الحالة التي آلت به إلى أن نادى وهو مكظوم، وهذه الحالة هي ذهابه مغاضبا مع ظنه أن لن نقدر عليه، أي فلا تكن مثل يونس في ذلك، بل اصبر لحكم ربك وارض بقضاء ربك.
ولترجع إلى بعض المستفاد من قصة هذا النبي الكريم فنقول: وبالله التوفيق:
إن من أعظم أسباب نجاة هذا النبي الكريم كثرة تسبيحه وندائه بقوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} .
قال تعالى: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ [2] * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ
(1) أخرجه البخاري (2674) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا به.
(2) قد تقدم أنَّ أكثر أقوال أهل العلم في تأويل {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} أي من المُصلين الذاكرين قبل ابتلائه، وقد صح عن قتادة قال: كان كثير الصلاة في الرخاء فنجَّاه الله بذلك. قال: وقد كان يُقال في الحكمة: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا ما عثر، فإذا صُرع وجد متكئا.