يهديه إلى الصواب .. بدأت بنفسها والتزمت الحجاب .. أخذت تحافظ على الصلاة .. وأخذت تنصح أخواتها وتوجههن إلى الحق .. وعندما علم الأب بذلك جن جنونه .. أخذ يعارض ابنته بل ويحاربها في جميع تصرفاتها .. لكنها ثبتت ثبات الجبال الراسيات .. أخذ والدها يستخدم معها جميع الوسائل التعذيبية حتى تعود إلى رشدها (كما يزعم) .. حاول أن يثنيها عن تصرفاتها .. ولكنه الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب فإنه يأبى غيره .. أخذ يهددها تارة .. ويضربها تارة أخري .. ويهجرها مرات عديدة .. منعها من الذهاب إلى المدرسة أو حتى مجالسة أخواتها .. لأنها وكما يقول: لم تعد منهم .. فاعتزلتهم .. أصبحت حبيسة غرفتها وكتاب الله أنيسها وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جليسها .. تناجي مولاها أن يهدي والدها وأهلها أجمعين .. ولكن {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} .. فعندما رأى والدها رباطة جأشها وثباتها وصبرها لم يجد سوى حل واحد .. استدعاها .. مثلت أمامه غاضة الطرف .. غضيضة الصوت .. فألقى إليها بآخر وسيلة لديه .. إذا لم تعودي كما كنت وكحال أخوتك وتتركي عنك الوساوس (يقصد التمسك بأوامر الله) .. فسوف أطلق أمك .. نعم أطلق أمك .. نزلت هذه الكلمات كالصاعقة على رأسها الصغير .. سقطت بين يدي أبيها باكية .. كالطفلة التائهة التي تبحث عن جرعة حنان أو عطف أو حتى شفقة .. تنظر إلى والدها وعيناها ملأى بالدموع .. قلبها يتفطر حزنًا وألمًا من موقف أبيها العدائي .. واجتمعت عليها هموم كثيرة .. ها هي والدتها تتوسل إليها أن تنفذ كل ما يطلبه منها والدها .. أخذت تتضرع لها أن لا تهدم بيتها ولا تفرقها عن أبنائها ..