وهذا البراء وابن عمر يعرضان للقتال يوم بدر فيُستصغران ويُردّان (1) ويحدث ابن عمر رضي اللَّه عنهما:"أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه" (2) .
وهذا أُسامة بن زيد رضي اللَّه عنه وهو شاب لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره يقود جيشًا عرمرمًا يستعمله عليه النبي صلى الله عليه وسلم .. وفيه عمر رضي اللَّه عنه وغيره من كبار الصحابة... ليغزوا بهم الشام...
وهكذا وبهذه التربية العظيمة صنع النبي صلى الله عليه وسلم من اصحابه.. وصنع أصحابه من أبنائهم.. بتوفيق من اللَّه عز وجل، رجالًا صدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه.. غيروا معالم الأرض.. وبدّلوا مجرى التاريخ...
وهكذا اقتفى آثارهم ايضًا بالإهتمام بالأولاد والذرية في هذه السن المبكرة. التابعون لهم بإحسان من سلف هذه الأمة وعلمائها.. بل وحتى الخلفاء والأمراء والوزراء على ما كان عند كثير منهم من ظلم وجور أو ترف وميل إلى الدنيا وشهواتها، كانوا يتنافسون ويحرصون على إرسال أولادهم إلى العلماء والفقهاء ليؤدبوهم لهم ويعلمونهم القرآن، حتى كان يقال: فلان مؤدب أبناء الخليفة... أو مؤدب أبناء الأمير وغير ذلك .. وما ذلك إلا لتقديرهم لقيمة العلم ومعرفتهم بشرف ومكانة العلماء .. وقصصهم وأخبارهم في الدلالة على ذلك والحرص عليه تضيق هذه الصفحات عن حصرها..
(1) البخاري (3956) .
(2) رواه البخاري في كتاب المغازي (4097) .