فهذا عطاء بن رباح أعور أشل أفطس أعرج أسود مستوحش الخلقة... يأتي إليه الخليفة وولداه يسألانه عن المناسك فيجيبهم وهو معرض عنهم.. حتى إذا ما انتهى قال الخليفة لولديه: قوما ولا تنيا في طلب العلم، فواللَّه ما أنسى مقامي بين يدي هذا العبد الأسود .. وقصة البخاري صاحب الصحيح مع الأمير خالد بن أحمد حين بعث إليه يسأله أن يحضر إلى منزله فيقرأ التاريخ والجامع على أولاده، فامتنع البخاري، وقال لا يسعني أن أخص بالسماع قومًا دون قوم آخرين، وقال لمن جاءه: قل له إني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضرني في مسجدي أو في داري ؛ فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من مسجدي ليكون لي عذر عند اللَّه يوم القيامة أني لا أكتم العلم، فكان ذلك سبب الوحشة بينما.. وقيل أن الأمير استعان ببعض أهل بخاري حتى تكلموا في مذهبه، فنفاه عن البلد...
ولو أنك تتبعت بعض أحوال السلف وأقوالهم لتجلت لك هذه الحقيقة، ولعجبت أشد العجب من شدة إهتمامهم وحرصهم على ذلك.. ولبكيت كثيرًا على أحوالنا وأحوال أبنائنا...
فهذا سفيان الثوري إمام الحفاظ وسيد العلماء العاملين في زمانه- وقد ابتدأ طلب العلم وهو حدث باعتناء والده الذي كان محدثًا صادقًا- يقول:"ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث فإنه مسؤول عنه".
وهذا قتادة من أئمة المفسرين كان من أحفظ الناس يقول: (الحفظ في الصغر كالنقش في الحجر) .
وعن عكرمة مولي ابن عباس قال: (كان ابن عباس يضع في رجلي الكبل- يعني القيد- على تعليم القرآن والسنة) .
وهكذا فلو أنك ذهبت تتبّع أحوال علماء هذه الأمة وسادتها وأشرافها من المحدثين والفقهاء والأئمة.. لرأيتهم نبغوا في طلب العلم وتحصيله بتوفيق من اللَّه أولًا؛ ثم بطلبهم للعلم وحفظه في الصغر.. حرصًا منهم على ذلك أو برعاية وتوجيه من آبائهم أو أوليائهم..