4/ 12/ 1421 هـ
السؤال: يوجد رجل نفر من عرفات قبل غروب الشمس وعندما سأل أفتاه البعض بأن عليه دمًا وقال له بعض أصحابه بأنه آثم ولا دم عليه فما تقولون في ذلك جزاكم الله خيرًا.
الجواب: اتفق أهل العلم على أن الوقوف بعرفات ركن من أركان الحج فلا يصح الحج بدون الوقوف، وينتهي الوقوف بطلوع الفجر من يوم النحر. ومن وقف قبل طلوع الفجر ولو شيئًا يسيرًا فقد صح وقوفه.
والسنة الثابتة من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه وقف بعرفة بعد زوال الشمس ومكث حتى غربت جاء هذا في صحيح مسلم (1218) من حديث جابر في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القُرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. . . . . .) .
وقد اختلف العلماء فيمن دفع من عرفات قبل الغروب. فقيل لا يصح حجه لأنه لم يقف شيئًا من الليل وهذا مذهب مالك وهو ضعيف ولا دليل عليه وعامة أهل العلم على خلافه فقد روى أحمد وأهل السنن بسند صحيح عن عروة بن مضرس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد أتم حجه وقضى تفثه) .
فالحديث صريح في أن من وقف بعرفة من ليل أو نهار فقد تم حجه وظاهر الخبر أنه لا يجب الجمع بين الليل والنهار فإذا دفع من عرفات قبل غروب الشمس فحجه تام ولا شيء عليه وهذا الصحيح في مذهب الشافعية وقال به الإمام ابن حزم رحمه الله (المحلى 5/ 115) .
وقال أبو حنيفة وأحمد حجه صحيح ويجب عليه الدم لأن الوقوف بعرفات إلى غروب الشمس واجب فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف إلى الغروب ووقف الصحابة من بعده إلى الغروب فظاهر هذا أن الأمر متقرر بينهم ولم يُذكر عن أحد منهم أنه دفع قبل الغروب أو أنه رخص في ذلك ولا سيما أنهم قادمون على ليلٍ مظلم زيادة على ذلك وعورة الطريق فهذه الدلالات وغيرها تؤكد أو الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس واجب فقد قال - صلى الله عليه وسلم - (خذوا مناسككم) رواه النسائي من حديث جابر وجاء في صحيح مسلم بلفظ (لتأخذوا مناسككم) .
وفي رواية عن الإمام أحمد أنه لا دم عليه إن كان له عذر في الإفاضة قبل الغروب.
والصحيح في هذه المسألة أنه لا دم على من دفع قبل غروب الشمس وحجه صحيح وهذا الصحيح من مذهب الشافعية واختاره ابن حزم وقد تقدم، فإن أموال المسلمين معصومة بعصمة دمائهم فلا يجب عليهم شيء بدون دليل تقوم به حجة وتبرأ به الذمة.
وقد تقدم حديث عروة بن مضرس وقوله - صلى الله عليه وسلم - (وقد وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد أتم حجه وقضى تفثه) .
فظاهره أنه لو وقوف شيئًا يسيرًا من ليل أو نهار فحجه صحيح ولم يذكر دمًا ولا غيره وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.
ويحمل فعله - صلى الله عليه وسلم - ووقوفه بعرفات حتى غروب الشمس على تأكيد السنية ولأنه إذا جاز الوقوف ليلًًا ولا دم عليه باتفاق العلماء فلأن يجوز الوقوف نهارًا دون الليل من باب أولى. وإذا لم يجب الدم على من اقتصر في وقوفه على الليل لم يجب على من اقتصر على النهار دون الليل؟
ولا فرق بين الأمرين فحديث عروة صريح في جواز الأمرين والتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين فإن قيل الفرق بينهما بأن الوقوف بعرفات إلى الغروب فيه مخالفة للمشركين فيقال هذا لا يثبت من وجه صحيح.