ويروي لنا أنس حادثة وفاة الغلام في بيت الرميصاء: (عن أنس قال مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، قال: فجاء فقربت إليه عشاءًا فأكل وشرب، قال: ثم تصنَّعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع، وأصاب منها، قال: يا أبا طلحة! أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمعنوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب بما كان ابنك، قال: فغضب، وقال: تركتني حتى تلطخت، ثم أخبرتني بابني، فانطلق حتى أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لكما في غابر ليلتكما، قال: فحملت وأنجبت بعد ذلك عشرة أولاد، كلهم يقرءون القرآن) [1] .
ومع العشرة أولاد الذي يقرؤون القرآن كان أنس بن مالك الذي وهبته أم سليم لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحُلُم،
وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بالخروج في الغزوات، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجيزه للقتال، ويبكي لحبه للجهاد كان هو الراوي الذي روُيت عنه أكثر أحاديث الجهاد، كما روى ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثًا.
ومع العشرة أولاد الذي يقرؤون، كان البراء بن مالك الذي انتصر المسلمون بدعوته في إحدى الغزوات، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الجيش بالسيوف مرفوعة والقوة معدة والأسباب مأخوذ بها وما وبين هذا والنصر إلا دعوة البراء، إذ قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه، ادعُ الله يا براء ينصرنا عليهم) .
وكانت تلك بعض معالم البيت.
امرأة من أهل الجنة جعلت الإسلام صداق زواجها، وأطعمت الصحابة من طعامها، وقاتلت في سبيل الله بنفسها، وأضحكت الله بكرمها، وأنجبت عشرة أولاد كلهم يقرؤون القرآن، غير الذي انتصرت الجيوش بدعوته وأنس راوي أحاديث الجهاد عن النبي صلى الله عليه وسلم وخادمه، كما روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة عشر حديثًا، وأخرج لها منها في الصحيحين أربعة أحاديث، أحدهما متفق عليه، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بحديث، وروى عنها أنس بن مالك وعبد الله بن عباس وعمر بن عاصم الأنصاري وأبو سلمة وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت.
وقد كانت الصفة الأساسية لتصرفات الرميصاء هي السهولة في تصور الأحداث والممارسة المعيشية والحياة كلها، فعندما أرادت الزواج قالت لابنها: (قم فزوج أمك) ، وعندما مات ابنها قالت لزوجها: (هدأت نفسه) . وكانت وليمتها التي أعدتها لزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية من التمر. وكان طعامها لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام الأولاد. وكان فراش بيتها حصيرًا قديمًا نضحته بالماء، ليسجد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقد كانت هذه السهولة هي الأثر الاجتماعي الناشئ عن الشعور بمسئولية الدعوة في حياة أصحابها.
وهذا بيت الدعوة الذي نسأل الله أن يكون في واقعنا مجتمعًا كاملًا وحياة دائمة.
(1) تقدم غير مرة.