ورد هذا الحديث في البخاري في كتاب النكاح في باب حسن المعاشرة مع الأهل ومسلم والنسائي والترمذي وقد شرح هذا الحديث علماء كثيرون منهم القاضي عِياض وهو أجمعهم وأوسعهم.
وقد لخص الإمام العسقلاني جميع ما ذكروه في (فتح الباري شرح صحيح البخاري) ، وهذا ملخصه:
كانت قرية من قرى اليمن فيها إحدى عشرة امرأة، فقلن: تعالين فلنذكر بعولتنا بما فيهم ولا نكذب، فتعاهدن وتعاقدن على ذلك.
وقد ذكُرن بأسمائهن في ملخص الإمام العسقلاني.
قالت الأولى: (زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعث) والغث يعني الهزيل يعني صعب المرتقى ومنه وعثاء السفر ومعني العبارة: أن زوجها شديد يصعب الرقى إليه (لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى) معني العبارة: أنه لا الجبل سهل فلا يشق ارتقاؤه لأخذ اللحم ولو كان هزيلًا، لأن الشيء المزهود فيه قد يؤخذ إذا وُجد بغير نصب ولا اللحم سمين فيتحمل المشقة في صعود الجبل لأجل تحصيله.
والمعنى العام: أنها شبهت زوجها بلحم جمل غث يعني قليل الخير وشبهت خلقه بالجبل الوعر أي أن زوجها سيئ الخلق يترفع ويتكبر ويسمو بنفسه فوق موضعها فيجمع البخل وقلة الخير مع سوء الخلق والكبر.
قالت الثانية: (زوجي لا أبث خبره) يعني حديثه الذي لا خير فيه (إني أخاف أن لا أذره) يعني أخاف ألا أترك من خبره شيئًا إذا بدأت الحديث عنه فلا أستطيع من كثرة مساوئه، أو أخاف إن بدأت الحديث عنه أن يصله فيطلقني وأنا أخاف الطلاق. ولكن إن تكلمت سأذكر (عجره وبجره) والعجر أصلًا العروق الظاهرة في الجسم في مواضع مختلفة أما العجر والبجر معًا فنعني العُقد الظاهرة والخفية.
قالت الثالثة: (زوجي العشنق) والعشنق المذموم الطول من غير نفع أو الطويل الذي يملك أمر نفسه ولا تحكم النساء فيه، بل يحكم فيهن بما شاء، فزوجته تهابه، إن تنطق بحضرته تطلق فهي تسكت على مضض (إن أنطق أطلق أو أمسك اعلق) .
يعني إن نطقت يطلقها، وإن سكتت لا تُطلق، ولكن تبقى له في وضع المعلقة، وهو وضعها الدائم معه، فهي في كلتا الحالتين لا تنال حقوقها الزوجية منه، سواء طلقت أو بقيت معلقة.
قالت الرابعة: (زوجي كليل تهامة لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة) . تهامة بلاد حارة غالب الزمان، وليس فيها رياح باردة، فإذا كان الليل كان وهج الحر ساكنًا، فيطيب الليل لأهلها بالنسبة لما كانوا فيه من أذى النهار، ومن هنا كان وصفها بليل تهامة، وأنه لا حر ولا قر، وأما قولها: (لا مخافة ولا سآمة) ، فلأن تهامة جبال يتحصن بها أهلها فلا يخافون.
فوصفت زوجها بجميل العشرة واعتدال الحال وسلامة الباطن، فكأنها قالت: لا أذى عنده ولا مكروه، وأنا آمنة معه فلا أخاف من شره، ولا ملل بيننا فيسأم أحدنا الآخر، فأنا لذيذة العيش عنده كلذة أهل تهامة بليلهم المعتدل، آمنه معه كأمان أهل تهامة بجبالهم العالية.
قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد وإن خرج أسد ولا يسأل عما عهد.
لأن الفهد يوصف بالحياء وقلة الشر وكثرة النوم.
والأسد وصف بالجرأة والإقدام.
ولا يسأل عما عهد كرمًا منه.
وهو في داخل بيته سريع الحركة ونشيط مثل الفهد.
وهو خارج بيته رزين ثقيل مثل الأسد.
قالت السادسة: (زوجي إذا أكل لف وإن شرب اشتف وإن اضطجع التف ولا يولج الكف ليعلم البث) .
(إذا أكل لف) أي خلط أصناف الطعام من نهمته وشرهه، ثم لا يبقي منه شيئًا.
(وإذا شرب اشتف) أي يستقصي كل ما يشربه فلا يبقي منه شيء.
(وإن اضطجع التف) فجاء الذم من جهة الانفصال عنها في النوم، وهذا ما يفسره الجزء الآتي:
(ولا يولج الكف ليعلم البث) : أي لا يمد يده ليعلم ما هي عليه من الحزن فيزيله.
فجمعت في وصفها بين اللؤم والبخل والنهمة والمهانة وسوء العشرة.