وأول تلك الآثار هو أثر الزواج في الاعتقاد المترتب على أثر الحب في الفكر فهناك حقيقة إسلامية في النفس الإنسانية تؤكد أثر القلب والإحساس في الفكر اتفاقا واختلافا ومنطق هذه الحقيقة هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنود مجنده، ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر اختلف) [1] .
كذلك فهناك حقيقة أخرى توكد أثر العقل والفكر في القلب والإحساس اتفاقا أو اختلافا، ومنطوقها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) [2] .
ولما كان للزواج صلة مباشرة بإحساس الحب وللاعتقاد صلة مباشرة بصفة التفكير أصبحت هناك علاقة مباشرة بين الزواج والاعتقاد، وهذه أمثلة توكد هذه الحقيقة:
فهذا العاصي بن الربيع - زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم - يخرج من مكة فرارا من الإسلام فتبعث إليه ليرجع إلى مكة، ويدخل في الإسلام، فيبعث إليها برسالة هذا بعض نصها: (والله ما أبوك عندي بمتهم، وليس أحب إلي من أسلك معك - يا حبيبة - في شعب واحد، ولكنى أكره لك أن يقال ان زوجك خذل قومه، فهلا عذرتى وقدرتي) .
وواضح من الرسالة أن العاصي كان يحب زينب، بدليل أنه يود ويحب أن يكون معها في طريق واحد، أيما كان هذا الطريق، كما أنه كره لها أن يقال فيها ما يضايقها، ثم انه يطلب منها في النهاية أن تعذر وتقدر، ومن أجل هذا الحب فان زينب استطاعت أن تذهب إليه، وتأتى به مسلما.
وهذا الطفيل بن عمرو الدوسى يدخل في الإسلام؛ فتأتى امرأته لكي تقترب منه، فيمنعها، ويقول لها: (لقد أصبحت على حرام، قالت: ولم؟ قال: أسلمت، فكان ردها: أنا منك وأنت مني وديني دينك) ، وأسلمت [3] ، من هذا الرد أنها اعتنقت الإسلام من خلال إحساسها بزوجها، حيث قالت: أنا منك وأنتي منى، وأخذت من إحساسها أساس اعتناقها للإسلام عندما قالت: وديني دينك [4] .
وهذه أم حكيم بنت الحارث بن هشام أسلمت يوم الفتح بمكة وهروب زوجها عكرمة بن أبى جهل من الإسلام حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن، فدعته إلى الإسلام فأسلم فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما، وهذه أم سليم يأتى أبو طلحة ليتزوجها - وهو مشرك - فتأبى وتقول له: (إن أسلمت تزوجتك وصداقي إسلامك) ؛ فأسلم فتزوجته [5] .
وهذه الأمثلة توضح آثار العلاقة الزوجية والحب في الاعتقاد والفكر.
وإذا قرأنا كتب السيرة فسنجد أن الملاحظة العامة هي أن الذين أسلموا كان إسلامهم غالبا من خلال هذه العلاقة، وهذا هو أثر الزواج في العقيدة من ناحية الحب.
وكما أن العلاقة الزوجية القائمة بالحب تعتبر أساسا للاتفاق في الاعتقاد والفكر، فان هذا الاتفاق الفكري يعتبر بدوره أساسا لاستمرار العلاقة الزوجية وثباتها؛ وذلك لأن هذا الاتفاق الفكري بثباته هو الذي يعطى للعلاقة الزوجية صفة الاستقرار التي تحميها من أثر الفتور الوجداني والتقلب النفسي الذي قد يعرض لتلك العلاقة.
(1) علته البخاري في (الأنبياء) (369/ 6) ومسلم رقم (2638) رواية البخاري من حديث عائشة، ورواية مسلم من حديث أبي هريرة.
(2) أخرجه أبو داود في الصلاة (364 - 365/ 2) والنسائي في (الإمامة) ، (89 - 90/ 2) من حديث البراء بن عازب وسنده صحيح.
(3) ذكرها ابن إسحاق مرسلة، أنظر البداية والنهاية (99/ 3) .
(4) أنظر كتاب أُسد الغابة (70/ 4) ونسب قريش للزبيري (ص/310) .
(5) أخرجه النسائي في (الكبري) كما في تحفة الأشراف (39/ 1) من طريق إسماعيل بن عبد الله بن أبي طلحة وثابت عن أنس ولم يعزه لمسلم - من هذا الطريق وأنظر أسد الغابة (345 - 341/ 7) .