الصفحة 29 من 64

ثم تأتى ناحية الفطرة والجمال والمنفعة كعلاقة بين الزواج والاعتقاد، فالاعتقاد يقوم بالفطرة في الإنسان والمنفعة والجمال في الكون، وهذه العناصر الثلاثة هي مدار العرض القرآني لقضية الاعتقاد، وهي التي تتعمق في النفس بالزواج؛ لأن الفطرة هي العنصر الأول في تحقيق الإيمان في الإنسان بأعماله الفطرية مهما كانت يسيرة، حتى ولو كان العمل مثل (قص الأظفار) الذي أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنه من الفطرة [1] . وقياسا على هذا العمل اليسير يصبح الزواج أقوى سلوك فطرى يحقق التزاوج في الإنسان لأن الله خلقنا {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} (النساء: 1) . وبذلك تقوى الفطرة بالزواج.

وعندما يتزوج الإنسان أيضا فانه يحقق السرور بالنظر إلى من اختارها زوجة له، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا نظرت إليها سرتك) ، وارتباط السرور بالنظر هو معنى الإحساس بالجمال، وبذلك أيضا يعمق الزواج في النفس الإحساس بالجمال.

وعندما يتزوج الإنسان فانه يكون قد حقق خير المتاع لنفسه في الحياة الدنيا، وحقق خير المنافع لأن (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) [2] ، وبذلك يكون الزواج فطرة ومنفعة وجمالا، يعطى الإنسان عمقا للإحساس بالقرآن، وهو يعرض قضية الإيمان بالله من خلال هذه العناصر الثلاثة (الفطرة) في الإنسان و (المنفعة) و (الجمال) في الكون؛ ولذلك جاء في تفسير قول الله عز وجل: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} (سورة النور الآية: 33) قول عكرمة: (هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهى، فأن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقضى حاجته منها وان لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السماوات والأرض حتى يغنيه الله) [3] .

واضح في قول عكرمة كيف أن النظر في ملكوت السموات والأرض هو التصرف المعالج لأثر افتقاد الزوجية، وكيف أن الزواج يجمع آثار النظر في ملكوت السماوات والأرض، حيث تكون الفطرة والمنفعة والجمال.

ونواصل بحث آثار الزواج في واقع الدعوة من ناحية الحركة، فالعلاقة الزوجية تغرس في النفس طاقة الامتداد بقضايا الدعوة في حياة الناس، وذلك عندما ترتبط الدعوة بعملية التزاوج؛ إذا أن الإنسان يحب بطبعه أن يكون آي أمر مرتبط بزواجه أمرا عاما في حياة الناس كلهم؛ ولذلك نرى أن السيدة عائشة كانت تحب أن يتزوج النساء في شهر شوال؛ لأنها تزوجت في هذا الشهر.

عن عائشة رضى الله عنها قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى عنده منى؟ وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال) [4] .

(1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لخمس من الفطرة الختان والاستحداد وتقليم الأظافر ونتف الإبط وقص الشارب) (متفق عليه) .

(2) رواه مسلم، وسبق تخريجه.

(3) ابن كثير ج6: 55.

(4) رواه مسلم رقم (1423) من حديث عائشة رضي الله عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت