الصفحة 35 من 64

والأساس العام في التربية هو حقيقة التوازن.

لأن هذه الحقيقة أساس الخلق، سواء في مجال البناء الكوني أو البناء الإنساني، حيث إن العلاقة بين البناء الكوني والإنساني حقيقة ثابتة ذكرها ابن القيم في كتاب الفوائد حيث يقول: إن الإنسان هو الغاية التي خلق الله سبحانه لأجلها ما سواه من السماوات والأرض والقمر والنجوم والبر والبحر، وأن الله سبحانه وتعالى جمع ما فرقه في العالم في آدم، فهو العالم الصغير، وفيه ما في العالم الكبير وأن الإنسان هو خلاصة الوجود وثمرته.

وبذلك تقوم تربية الأولاد على أساس التوازن باعتبار أن مرحلة التربية هي مرحلة التكوين لهذا البناء الإنساني.

ولذلك نلاحظ أن مفهوم التوازن نفسه هو مضمون أساسيات منهج التربية.

فنجد التوازن بين المنع العطاء.

والتوازن بين الترغيب والترهيب.

والتوازن بين مسلمات حق الطفولة ومقتضيات التهيئة للرجولة.

إلى آخر حقائق التوازن الواضح في منهج التربية.

والآن وبصورة محددة ننتقل إلى أساسيات هذا المنهج:

أولًا: إتمام الرَّضاعة:

وهذا الأمر له منافع كثيرة، ولكنه يمثل ضرورة مهمة للدعوة، وهي أن إتمام الرضاعة يحمي الفرد من حب الإمارة والرغبة في التسلط [1] بدليل هذا الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة) [2] ، ولعلنا ندرك قيمة هذا الأمر في مواجهة واقع التفرق والاختلاف.

ثانيًا: العقيدة:

وتلقين العقيدة يقوم تربويًا على الثقة في عقلية الطفل إلى درجة القدرة على التجريد المعنوي للحقائق، فيكون الطرح العقدي البسيط على الطفل، لأن الثقة لا تعني التعقيد في المضمون أو الأسلوب.

أما دليل البساطة في تلقين العقيدة فهو سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لجارية صغيرة عن الله والرسالة، عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود أن رجلًا من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن عليّ رقبة مؤمنة فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم، قال: أتشهدين أن محمدًا رسول الله؟ قالت: نعم. قال: أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها) .

وفي إطار التلقين العقدي للطفل يجب أن ننأى بقضايا الخلاف عن أبناء الدعوة، لأن تعرضهم في طفولتهم لهذه القضايا يجعل منها خلفية فكرية لعقليتهم، بل ويجعل هذه القضايا عندما يصطدمون بها في صغرهم محورًا لحياتهم الاجتماعية بأسرها.

وهذا مثل مضحك لهذه النتيجة، وهو من مضحكات الفتن، وذلك أن زوجة لرجل قدري (الذين يعتقدون أنه لا مشيئة للإنسان وأن الأمر آنف) أخطأت خطأ أخلاقيًا جسيمًا فأراد أن يعاقبها ويفتك بها، فلما رأت أنها هالكة لا محالة قالت: يا رجل ألم تعلم أن الأمر آنف وأنه لا حيلة لي فيما فعلت، أم أنك تريد أن تقول بمذهب ابن عباس، فثاب الرجل إلى رشده واستغفر على محاولة عقابها!

(1) قام مجموعة من العلماء بإجراء بعض الأبحاث والتجارب علي قبائل مختلفة لبحث العلاقة بين الرضاعة وحب التسلط وكانت النتيجة أن الفرد الذي لا تتم رضاعته ينشأ فاقدًا للثقة بنفسه، تلازمه رغبة شديدة في التسلط. وقد ذكرنا هذه النتيجة باعتبار موافقتها لمدلول الحديث.

(2) البخاري في الأحكام (125/ 13) من حديث أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت