ومن أهم أساسيات تربية الأولاد عقديًا هو تنشأتهم على حب الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك أن التربية على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها قيمة تربوية عليا، لأنها تحمي الشخص المسلم من التيه في مرحلة اختيار المثل - مرحلة الشباب - فيمنعه ذلك أن يتأثر بأي شخصية أخرى مهما بلغ شأنها ويصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة والأسوة الحسنة.
ولعل النص القرآني في التعقيب على التأسي برسول الله هو الذي يحدد العلاقة بين هذا التأسي وبين الغاية النهائية للمسلم. وهي الله واليوم الآخر.
فقالت الآية: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب: 21) .
وأساس الارتباط بين التأسي برسول الله وتحقيق غاية المسلم هو أن هذا الحب يحقق أعمق بُعد عاطفي للتصور الاعتقادي في كيان الإنسان المسلم. ولعل حادثة ابني عفراء دليل على قيمة الانطلاق من هذا الحب في واقع الدعوة.
أخرج الشيخان عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: (بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما تمنيت لو كنت بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال يا عم هل تعرف أبا جهل قال قلت نعم وما حاجتك إليه يا بن أخي قال أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا قال فتعجبت لذلك فغمزني الآخر فقال مثلها قال فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس فقلت ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه قال فابتدراه فضرباه بسيفهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال أيكما قتله فقال كل واحد منهما أنا قتلت فقال هل مسحتما سيفيكما قالا لا فنظر في السيفين فقال كلاكما قتله) [1] .
ولعلنا نلاحظ أن الاثنين كانا مندفعين إلى غايتهما من الإحساس بالألم من سب أبي جهل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بلغا هذه الغاية التي كانت ولا شك بعيدة.
فالظرف الذي يسألون فيه عن بغيتهم كان ظرفًا قتاليًا ... وبغيتهم لم تكن شخصًا عاديًا، بل كانت رأس الكافرين الذي كان ولا شك محاطًا بسياج من الحماية العسكرية. أو بتعبير راوي الحديث (يجول في الناس) ومع ذلك بلغا بغيتهما ونجحا في المهمة.
ثالثًا: تحقّق العبودية لله:
العبودية لله هي الغاية النهائية للدعوة، لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع) [2] ، وهذا المر هو الذي سيغرس في نفس الولد الإحساس بالتناقض بينه وبين أي مجتمع لا يقيم الصلاة، وسيبقي الإحساس بالتناقض آخذًا صورة العمل للتمكين لهذه العدوة حتى ينتهي هذا الإحساس بإسلام المجتمع وإقام الصلاة: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ} (الحج: 41) .
(1) أخرجه البخاري ومسلم والحاكم والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف بنحوه.
(2) صحيح: أخرجه أبو داود (162/ 2) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وسنده وبنحوه أخرجه الترمذي في (الصلاة) (407) وأبو داود أيضًا من حديث سبرة وسنده صحيح. وهو شاهد قوي لحديث عمرو بن شعيب.