الصفحة 37 من 64

كما أن الأمر بالعبادة هو منبع القدرة الفعلية على تحمُّل تكاليف الدعوة، ولذلك يقول الله تعالى: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} (البقرة: 153 - 154) ، والأمر بالصلاة هو الذي يحمي الحركة الإسلامية - عند الجهاد والقتال - من الخروج عن طبيعتها وغايتها، إذ إن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل أي العمل أفضل قال: (الصلاة على وقتها، قيل: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) [1] .

فيأتي الجهاد من منطلق العبادة وبعد بر الوالدين، فلا يخرج القتال عن هدف تحقيق العبودية لله في الأرض، وحماية المجتمع المسلم القائم بالبر، وعلي هذا فالمسلم الذي يقيم الصلاة هو الذي يندفع بكل طاقته الإنسانية لتحقيق غاية الدعوة - إذا كان يعيش واقعًا جاهليًا - وتحقيق التوافق بين تصوره والواقع الذي يعيشه، وينتزع إحساسه بالتناقض بينه وبين المجتمع الجاهلي بعملية التغيير التي تمثل الحركة الإسلامية.

وعنصر الضرب من أجل الصلاة معناه التدخل المباشر في تكوين الشخصية الإنسانية بما يتفق مع غاية الدعوة، وهذا ينمي في تلك الشخصية ممارسة الإذعان للحق.

والحقيقة أن ما يقابل ضرب الأولاد على الصلاة هو النهي عن ضربهم على كسر الآنية.

فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تضربوا أبنائكم على كسر الآنية فإن لهذه الأشياء أجل) .

وهذا التقابل في غاية الأهمية.

ذلك لأنه ينشئ في نفس الطفل معيارًا أساسيًا للأهمية والقيمة في حياته.

فالعبادة أهم ما يمكن أن يكون في حياة الطفل أما الأمور المادية الدنيوية ... فلا يُضرب عليها ... فينشأ الشخص وقد ترتبت في حياته الأمور حسب أهميتها.

ولكن الصلاة بالنسبة للطفل يجب أن تكون في المسجد وفي هذا قيمة تربوية عظيمة، نجدها بداية في تقوية الإحساس بالرجولة حيث يخالط الرجال في المسجد.

ولكنه لا يتجاوز بهذا الإحساس من هم أكبر منه، حيث يعرف مكانه بينهم من خلال ترتيب الصفوف، فهو يرى صف الرجال ثم الأطفال.

وعندما يكبر ويتقبله المصلون الرجال في صفوفهم فإن هذه الخطورة ستكون أعظم موقف في حياته التربوية حيث يشعر بذاته ورجولته من خلال عبادته ومسجده.

وعندما يشارك الرجال في مجلس العلم ... ويفتح الله عليه بفهم أو كلام يشعر أن علاقته بمن يسمعه ممن هو أكبر منه سنًا، علاقة رحمة وتقدير، وأن ترتيب الصفوف لا يعني الامتهان أو التحقير لأنهم وهم يرجعون به إلى صفوف الأطفال ... هم أنفسهم يسمعون له، ويفرحون بفهمه ويقرون بصوابه.

توازن مطلق ...

كما أنه عندما يجلس في مجلس علم فإنه يمارس تحصيل العلم بإرادته ورغبته فيحب العلم، ويسعي إليه ... ويمتد من خلال هذه الإرادة والرغبة والحب إلى جميع مجالات العلوم النافعة.

وعندما يحفظ القرآن والعلم بسهولة ويسر لأنه في بداية عمره وكمال طاقته الذهنية، فإنه يظل واثقٌ بعقليته وذاكرته وذهنه طوال عمره.

وهذا أبو هريرة رضي الله عنه يلتقي بغلام فيظنه مثل الغلمان، حتى يكتشف فيه الرجولة، فيتعامل معه معاملة الرجال، وفي المسجد كانت التجربة ... وكان الدرس ...

(1) البخاري في (الصلاة) (9/ 2) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت