وبعد تكوين البيت وحمايته بقي أمر أخير وهو أن نحمي أنفسنا من أخطار البيت، وليس البيت خطرًا إلا على الدعاة، ولهذا كان لابد أن يكون ارتباط الداعية ببيته بأصول تحميه من الرضا بمسكنه ومعيشته دون الجهاد في سبيل الله، فيقع في التحذير الذي جاء في قول الله: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة: 24) ، وكذلك التحذير من عداء الزوجة، ونصه قول الله في سورة التغابن: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} (التغابن: 14) ، ومعنى عداء الزوجة والأولاد أن يكونوا سببًا في ركون الإنسان إليهم والقعود عن الجهاد. كما أن هناك تحذيرًا تنبه فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى محاولة الشيطان في التصاق الإنسان ببيته وربطه بأهله، والحديث يقول: (إذا خرج الإنسان للجهاد جلس له الشيطان على قارعة الطريق يقول له: تُنكح الزوجة، فيمضي فيقول له: يُيتَّم الولد، فيمضي، فيقول له: يقسم المال، فيمضي) [1] .
ولهذا فإن القرآن يعتبر أن الذي يخرج من بيته يكون قد أتم معنى الخروج في سبيل الله، ولو لم يحقق هدف الخروج بدليل قول الله عن الهجرة: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (النساء: 100) . وكذلك فإن القدرة على الخروج من البيت تعادل تمامًا القدرة على التضحية بالنفس، بدليل قول الله: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} (النساء: 66) ، ومن أجل ذلك فإن القرآن يعالج الإحساس بالجبن عند الإنسان بمعالجة إحساسه ببيته على أنه ليس هو الشيء الذي سيحميه من الموت أو القتل: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} (عمران: 154) .
ولهذا كان لابد من تحديد الأصول التي يعيش بها الداعية في مسكنه، ويتعامل بها مع زوجته دون أن ينسي أخرته ودعوته. وأول هذه الأصول هي ممارسة إرادة الخروج في سبيل الله، ولو في أيسر الصور والمهام مثلما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم عند خروجه إلى الصلاة كما تقول عائشة: (كان رسول الله في خدمة أهله فإذا سمع المؤذن قام كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه) [2] ، هذا إذا كان مستيقظًا أما إذا كان نائمًا (قام وكأنه في فزع) .
(1) حسن: أخرجه النسائي في (الجهاد) (21، 22/ 6) احمد (483/ 3) وابن حبان (57/ 7) من حديث سيرة بن أبي فاكه، وطرقه: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة، قعد في طريق الإسلام ... ) .
(2) أخرجه البخاري في (النفقات) (507/ 9) دون الزيادة: (كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه) .