الصفحة 10 من 64

ونبدأ في تحقيق التوافق بمعالجة آثار الفهم الخاطئ عند البعض عن معنى (التجرد) الذي يتحدد عندهم في ضرورة العيش للدعوة وحدها دون تفكير في زوجة أو رغبة في ذرية، ولذا كان لابد ابتداءًا من تحديد وتصحيح مفهوم التجرد على أنه امتلاك الشيء، والقدرة على بذله والصبر على فقده

فعندما أبتلى الله أيوب بفقدان أهله وصبر أتاه الله أهله ومثلهم معهم؛ لأن الصبر في البلاء قد تحقق وتحقق معه التجرد، ولا يضر بعد ذلك أن يكون لأيوب أهل وحتى مثلهم معهم.

وإبراهيم عندما أمره الله بذبح ابنه إسماعيل استجاب لأمر ربه، {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (الصافات 103 - 105) ، وبدون أن يذبح إبراهيم ابنه حقق التجرد باستعداده للتضحية، وهذا هو المقصود، ولم يكن المقصود ذبح الأبن بدليل أنه بدون الذبح قال الله له: {قد صدقت الرءيا} ، وعلى هذا فإن معنى التجرد هو أن يكون للإنسان زوجة وذرية، لكنه يستطيع التضحية بالحياة معهم إذا اقتضت ضرورة الدعوة ذلك، ولقد قال الله تعالى في المرسلين: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} (الرعد: 38) .

وهذا موسى عليه السلام يتزوج في أخطر مراحل الدعوة بعد أن فرمن مصر خائفًا يترقب.

ولقد كانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تحقيقًا دائمًا للانسجام والتوافق بين دعوته وبيته، وهذه هي حقيقة التجرد الواقعية، إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (حبب إلى من دنياكم ثلاث: المسك والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة) [1] .

فقد جمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين قرة العين في الصلاة، ومعناها قمة القرب من الله وبين حب الزوجة. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن أفضل مكان لصلاة المرأة هو مخدعها، فيقول: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها) ، كما حقق الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك الربط عمليًا عندما كان يصلى على فراش عائشة، وهذا معناه أن المكان الذي يكون فيه الإنسان مع زوجته من الممكن أن يكون هو بذاته مكان قرب الإنسان من الله دون تعارض، ولكن صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في فراش عائشة لا تؤثر في رغبة النبي الشديدة في التعبد.

وهاهي ذي عائشة تصف ذلك عندما سألها ابن عمر: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت، وقالت: (كل أمره كان عجبًا، أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي، ثم قال: ذريتي أتعبد لربى، فقلت: والله إني لأحب قربك، وإني أحب أن تعبد لربك، فقام إلى القربة فتوضأ، ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلى، فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد حتى بل الأرض) [2] .

(1) أخرجه أحمد (28/ 3) والنسائي061/ 7) وفي العشرة له (ص34) والحاكم (160/ 2) وأبو يعلي (199/ 6) والطبراني الصغير (262/ 1) القطعة الأخيرة، وغيرهم وسنده صحيح - دون زيادة كلمة (ثلاث) - راجع الفتاوى الحديثية للهيثمي (ص277) ولفظة (ثلاث) مفسرة للمعني كما لا يخفي.

(2) رواه ابن حبان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت