الصفحة 12 من 64

وكما كان الانحراف الجنسي بداية حقيقة لتحول الأمة إلى الفساد، كان الاستمرار على هذا الانحراف سببًا مباشرًا لهلاكها نهائيًا.

ولعل هذا هو المعنى المأخوذ من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) . إذ إن الملاحظة الواضحة في الحديث هي تعليق الفتنة التي تعم الأرض والفساد الكبير بعدم صحة التزاوج في الأمة، وهو الأمر الذي يتحتم معه الانحراف الذي تكون به الفتنة والفساد الكبير.

وتعليق الفتنة والفساد الكبير بعدم صحة، الزواج الواردة في الحديث محددة بمرحلة الاختبار.

ومرحلة الاختبار هي المرحلة التي تجتمع فيها كل المقاييس والتصورات والتقاليد والقيم الاجتماعية؛ لأنه بهذه الأشياء كلها يتم الاختبار، مما يجعل الخلل في الاختبار دليلًا مباشرًا على الخلل في كل هذه الأبعاد.

هذا الخلل الذي لا تستقيم معه أمة ولا تقوم لها قائمة.

وبعد الاختيار الصحيح في البداية يبقى الزواج صحيحًا حتى النهاية بالتجرد من الحياة الدنيا والنجاة من ضغط النساء على الرجال في هذا الجانب.

وهناك سياقات قرآنية تتضمن هذا المعنى بصورة أساسية منها ما جاء في سورة الحجر، حيث ناقشت في أول السورة قضية إهلاك الكافرين: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ، مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَاخِرُونَ} (الحجر: 4 - 5) .

ثم تناقش السورة مهلك قوم لوط، وهم علامة الشذوذ ومثل الانحراف بصورة مفصلة. لتناقش السورة بعد ذلك ضمانات بقاء هذه الأمة السابقة إلى قيام الساعة فكان هذا الفضل متمثلًا في سورة الفاتحة التي لم ينزل مثلها في التوراة والإنجيل والقرآن، {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} (الحجر: 87) .

وكانت الضمانة الموازية للفاتحة هى تجرد الرسول صلى الله عليه وسلم من النظرإلى الحياة الدنيا، {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} (الحجر: 88) .

أما في سورة طه فيجمع الله بين هلاك الأمم الكافرة والنهى عن مد العين إلى متاع الحياة الدنيا وتقرير أن العاقبة للتقوى في سياق واحد: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى} (طه: 128) ، {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (طه: 131) .

ويتحقق الزواج الصحيح تتحقق أكبر فاعلية لانتشار الأمة الصحيحة وبقائها. والدليل الأول على هذه الفاعلية هو قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَاتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} (الرعد: 38) .

ومن هذه الآية نشأ أخص الأبعاد القدرية لقضية الزواج، ذلك أن الآية تثبت لجميع المرسلين صفة التزاوج.

ومن هذه الصفة نشأت أمة الأنبياء، كما قال سبحانه في آل عمران: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (آل عمران: 33 - 34) .

وبأمة الأنبياء تحققت أقدار الله في البشرية كلها ذلك أن قدر كل أمة مرتبط بقدر نبيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت