نريد في البداية أن نعطى تقييمًا حركيا لواقع الفوضى الجنسية، ذلك أن هذا التقييم هو أول ضرورات التغير، لأن مجرد التعريف النظري بتلك الفوضى والدعوة الكلامية في محاربتها لا تكفى للقضاء عليها أو تحقيق أدنى تأثير فيها، طالما أن الدعوة الإسلامية تفتقد الخطط العملي بإمكانياته اللازمة لإنهاء هذا الواقع. وهناك حقيقة تفاجئنا من خلال هذا التقييم وهي أن جاهلية الجنس كانت نقطة تحول المجتمعات من الإسلام إلى الجاهلية، ونجد ذلك في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء) [1] .
والفكرة التي في الحديث أن فتنة النساء كانت الفتنة الأولى في مجتمع بنى إسرائيل، ومعنى الفتنة الأولى أنها كانت بداية الانحراف ونقطة التحول؛ ولذلك فإن فتنة النساء تمثل عند إبليس - وهو الأمر بالفحشاء ومنشئ الفوضى وصاحب الجاهلية - الهدف الأول والأساسي الذي يسعى إلى تحقيقه في واقع الناس، كما يدل على ذلك الحديث الذي رواه النبي صلى الله عليه وسلم: (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول:(فعلت كذا) ، فيقول: (ما صنعت شيئًا) ، ثم يجيء أحدهم فيقول: (ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته) ؛ فيدنيه منه، ويقول: (نعم أنت) [2] .
وهذا هو العنصر الأول من عناصر الخطر في الفوضى الجنسية، يتبعه عنصر السرعة في انتشار تلك الفوضى، والذي يتحقق بالإصرار على الانحراف في نفس المنحرف بقوة تتعدى غريزة حب الحياة وكراهية الموت في النفس البشرية.
وهذا موقف يوضح لنا كيف تكون قوة الشهوة والإصرار على الانحراف، وذلك في قصة هجرة سيدنا إبراهيم إلى مصر، عندما كانت معه زوجته سارة، وكان في مصر ملك يأخذ كل امرأة جميلة غصبًا، علم بقدوم سارة فطلبها، فلما جاءت أمامه دعت الله أن ينجيها منه فخسف الله به الأرض، ولكنه بعد ذلك الخسف يحاول مرة أخرى، فيخسف الله به الأرض فيحاول مرة ثالثة [3] ، ولعل الإصرار يكون واضحًا من خلا ل المحاولة ثلاث مرات على الرغم من الخسف.
وهذا الموقف وإن لم يتكرر بهذه الصورة، لكنه يوضح عنصر الإصرار على الانحراف بصورة مباشرة وواضحة، وهذه طبيعة الانحراف في أي موقف.
والذي يحقق سرعة انتشار الأنحراف بعد قوة الشهوة هو ضعف الغيرة في نفس المنحرف؛ ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم يربط بين الاستقامة والغيرة ربطًا مباشرًا، إذ يأتيه شاب ويقول له: يا رسول الله! أريد أن أزنى، فيقول له: أترضاه لأمك؟ فيقول: لا، فيقول له صلى الله عليه وسلم: (وكذلك الناس لا يرضون لأمهاتهم) [4] .
(1) أخرجه مسلم في (الرقاق) (55/ 17) من حديث أبي سعيد الخدري وهو مما انفرد به دون البخاري.
(2) أخرجه مسلم - أيضًا - (صفات المنافقين) (157/ 17) من حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه.
(3) أخرجه البخاري في الأنبياء لا (388/ 6) من حديث ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) أخرجه أحمد في المسند (256 - 257/ 5) ، والطبراني (190/ 8) من حديث أبي أمامة وجودة العراقي في الأحياء (236/ 7) ، وقال الهيثمي (129/ 1) : رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله الصحيح. وصحح الألباني هذا الإسناد لغير هذا المتن انظر صحيح الترمذي (1922) (276/ 2) .