الصفحة 3 من 64

وبضعف الغيرة تكون السلبية في مواجهة الانحراف التي تتحول بالإنسان السلبي إلى موقف المنحرف، ولذلك تحوَّل موقف امرأة العزيز - حينما راودت يوسف عن نفسه - إلى موقف عام للنسوة بمجرد أن أرسلت إليهن وأعلنت رغبتها في يوسف عليهن فعذرنها، فاعتبر يوسف هذا الموقف دعوة منهن جميعًا، {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} (يوسف: 33) ، وهذا معناه أن السلبية في مواجهة الانحراف، وبقوة الشهوة وضعف الغيرة تتحقق نهائية معدل انتشار الانحراف الجنسي التي تتم عندما لا يكون في المجتمع أي قيمة أخلاقية، مثلما كان لوط يبحث في قومه عن رجل رشيد فقال: (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ(هود: 78) ، ولم يجد.

ونهائية معدل الانتشار تتحقق بطبيعة المجتمع المنحرف ذاته مع طبيعة الانحراف؛ لأن المجتمع المنحرف لا يقبل - بطبيعته - وجود أي قيمة أخلاقية فيه؛ فيكون الرفض الجاهلي للأخلاق بعدة احتمالات: الأول: فإما أن يخرج المجتمع أصحاب تلك القيمة منه، مثلما حاول قوم لوط عندما قالوا: {أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} (الأعراف: 82) .

الثاني: وإما أن ينحرفوا بأصحاب تلك القيمة مثلما حاول بنو إسرائيل مع العابد، كما جاء في حديث جريج عن أبى هريرة قال:(لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وكان في بنو إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلى فجاءته أمه فدعته فقال: أجيبها أو أصلى؟ فقالت: اللهم لاتمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى؛ فأتت راعيًا، فأمكنته من نفسها فولدت غلامًا، فقالت من جريج فأتوه فكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى، ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي. قالوا: نبنى صومعتك من ذهب، قال: لا، من طين.

وكانت امرأة ترضع ابنًا لها ببني إسرائيل، فمر رجل راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله؛ فترك ثديها، وأقبل على الراكب، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه).

قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمص أصبعه، ثم مر بأمة يضربونها، ويقولون: يا سارقة يا زانية، فقالت: اللهم لا تجعل ابنى مثل هذه؛ فترك ثديها فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقالت: لم ذاك؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون سرقت زنيت، وهي لم تفعل) [1] .

ولقد وضح من هذا الحديث كيف أن المرأة البغي حاولت إغراء العابد، فلما فشلت لم تستطيع مواجهة القوم بهذا الفشل، فأتت لهم بغلام من رجل آخر، ورفض المرأة المنحرفة للفشل في إغراء أي إنسان تريد الانحراف به هو أخطر ما في طبيعة المرأة عندما تنحرف، ويساوى هذا الخطر في طبيعة المرأة عندما تنحرف رغبتها في أن تقع جميع النساء فيما وقعت فيه، ودليل ذلك قول عثمان بن عفان: (ودت الزانية لو زنى النساء كلهن) (الحسبة لابن تيميه) .

(1) البخاري، مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت