الصفحة 4 من 64

الثالث: وإما أن يفسر المجتمع الجاهلي القيمة الأخلاقية تفسيرًا ينفى حقيقتها، مثلما فعل بنو إسرائيل مع موسى لما رأوه يغتسل بعيدًا عنهم؛ فقالوا: إن به عيبًا، ويقول الله عز وجل وذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا} (الأحزاب: 69) ، وبذلك نرى المجتمع المنحرف يدفع الإنسان المستقيم إلى الانحراف، أو يدفع به خارج واقعة، أو يفسر استقامته تفسيرًا ينفى معناها؛ حتى يكون المجتمع خالصًا لانحرافه، وخطر الانحراف الجنسي بمعدل انتشاره السريع والنهائي يأتى باعتبار أن هذا الانحراف الجنسي هو الخطر الأكبر على الرجال، والرجال هم طاقة الدعوة؛ ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما تركت فتنة أضر على رجال أمتي من نسائها) [1] ، وكذلك يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الزنا جريمة الكيان الإنساني كله، فيقول صلى الله عليه وسلم: (العين تزنى وزناها النظر، واليد تزنى وزناها اللمس، والقدم تزنى وزناها المشي، والنفس تتمنى وتشتهى، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه) [2] .

وبمعنى هذا الحديث يتأكد لنا أن الانحراف الجنسي يستهلك ويهدم الشخصية الإنسانية، ومن هنا كان حد الزنا هو الرجم بمعناه المباشر وهو إنهاء وجود هذا الكيان المنحرف، وخطر الجنس باق - أيضًا - باعتبار أنه يتحول إلى طاقة للتحرك بأي قضية باطلة يعتنقها الإنسان المنحرف.

ومن هنا كانت الغريزة الجنسية هي الطاقة الأساسية للحركة الجاهلية.

والمثال الذي يؤكد هذه الحقيقة هو دفع النساء المشركات للرجال المشركين لقتال المسلمين في غزوة أحد بقولهن: إن تُقبلوا نعانق ونفرش النمارق أو تُدبروا نفارق فراق غير وامق

ولنا أن نعلم كذلك معنى الضرر الذي يقصده الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قمنا بعملية قياس للضغط الجنسي على الإنسان، ولكي نقيس هذا الضغط نختار العهد الإسلامي الأول باعتباره الوضع الاجتماعي القياسي لأي وضع اجتماعي آخر؛ وذلك حتى يكون تقديرنا لهذا الضغط مقياسًا لتقديرنا للضغط الواقع على الإنسان في أي وقت وأي مجتمع، فهذا رجل يقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج فتأتى امرأة لتسأل الرسول صلى الله عليه وسلم فيدفع الرسول صلى الله عليه وسلم وجه الرجل بيده عنها [3] .

ورجل آخر يأتى إلى صلاة الصبح فيقابل امرأة في الطريق فيقبَّلها [4] ، فالأول كان في الحج والثاني كان آتيًا إلى صلاة الصبح، وهذا أبو هريرة يعيش رفيقًا للرسول صلى الله عليه وسلم على ملء بطنه، فيشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاناته من الغريزة ويطلب منه أن يجيز له الإختصاء [5] ، وتقول الصحابة لو أذن له لفعلنا [6] ، ولن يعيش أحد مثلما كان يعيش أبو هريرة والصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم على الرغم من ذلك كانت المعاناة.

(1) أخرجه مسلم في (الرقاق) (54/ 17) من حديث أسامة بن زيد وسعيد بن زيد مرفوعًا.

(2) البخاري في (الإستئذان) ، (26/ 11) ، مسلم (205/ 16) من حديث ابن عباس.

(3) أخرجه البخاري في (الإستئذان) ! (8/ 11) في مواضع من صحيحه ومسلم (97/ 9) من حديث ابن عباس، والذي كان ينظر غلي وجه المرأة هو: الفضل بن العباس.

(4) أخرجه البخاري في التفسير (355/ 8) من حديث ابن مسعود.

(5) حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في النكاح (117/ 9) من حديث أبي سلمة عنه رضي الله عنه.

(6) القائل من الصحابة هو سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وغيرهما انظر البخاري المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت