الصفحة 5 من 64

ومن الطبيعي أن يلازم خطر الفوضى الجنسية خطر يوازيه، وهو خطر الحب في الواقع الجاهلي باعتباره حقيقة إنسانية مثل حقيقة الجنس، والتقييم الحركي لحقيقة الحب يتحدد في بحث أثر الحب في علاقة الإنسان بالدعوة، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم بالحب كحقيقة واقعة عندما رأى عبدًا يجرى وراء جارية وهو يبكى؛ فقال لأبى بكر: (انظر يا أبا بكر، ودعا الجارية، فجاءت فقال لها: أتتزوجيه؟ قالت: يا رسول الله أتأمر أم تشفع؟ قال: بل أشفع، قالت: لا أتزوجه) [1] .

وقد كان هذا الحديث تقريرًا من النبي صلى الله عليه وسلم لواقع الحب من خلال تعجبه من حال العبد دون إنكار عليه، وطلبه من الجارية أن تتزوجه، وأيضًا من خلال تقريره رفض الجارية للزواج من العبد، ومراعاة مشاعرها على الرغم من رد شفاعة النبي في ذلك. واعترافنا بالحب كحقيقة إنسانية واقعة إنما هو اعتراف مجرد من أي مدلول له في الواقع الجاهلي، وهذا التحفظ في غاية الأهمية، إذ إن الحب في الواقع الجاهلي ما هو إلا ظاهرة من ظواهرالإنحراف الجاهلي، وذلك لأن الحب الجاهلي هو إثبات للذات الإنسانية من واقع الفراغ، لأن الحب بأهم معانيه هو إثبات للذات الإنسانية، والجاهلية أبرز صفاتها هي واقع فراغ فكرى ووجداني.

وخطورة إثبات الذات من واقع الفراغ على علاقة الإنسان بالدعوة تأتى باعتبارها استهلاكًا للخصائص الطبيعية في الإنسان، والتي تحقق فيه إمكانيات تحمل تكاليف الرسالة، وهي إمكانيات قائمة في كل إنسان، حيث أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مهيأ بتلك الخصائص لأن يكون صاحب رسالة.

ودلائل هذه الإمكانيات هي:

القدرة على الحياة بقضية الرسالة وتصور الوجود من خلال تلك القضية، والقدرة على مواجهة أي واقع مخالف لهذا التصور.

وعندما يحب الإنسان الجاهلي من الفراغ، فإنه بهذا الحب ينطلق نحو من أحبها بخصائص الرسالة الكامنة فيه لأنه يعيش بلا قضية.

فتتحول تلك التي أحبها إلى قضيته التي يحيا بها، ويتصور الحياة من خلالها ويسعى إلى الإرتباط بها محطمًا في سبيل ذلك أي عقبة.

وآثار الحب في الواقع الجاهلي هي الدليل على هذه الظاهرة، فعندما يمارس الجاهلي حبًا فإنه يحب إلى حد العبودية، وعندما يفشل في حبه، فإما أن يصاب بالجنون بعد طغيان إحساسه بمن أحبها على عقله وواقعة، أو يصاب بالإنطواء كصورة من صور الكفر بمبدأ (العلاقة) بعد فشله في علاقته بمن أحبها، أو ينتحر كصورة من صور الرفض لحياته التي كان لا يتصورها إلا من خلال علاقته التي فشلت، وهذه هي الآثار الأساسية للحب في الواقع الجاهلي، وبذلك يكون الخطر الحقيقي على الإنسان عندما يمارس حبًا جاهليًا هو عجزه تماما عن أن يكون صاحب رسالة.

واعترافنا بالحب كحقيقة إنسانية واقعة، وتجريد هذا الإعتراف من أي مدلول له في الواقع الجاهلي يقتضي أن نناقش حالة خطيرة في حياة الدعاة، وهي دخول الإنسان في واقع الدعوة وهو يحمل في قلبه حبًا قد بدأه في الجاهلية، ولم يتمكن من التخلص منه بعد دخوله واقع الدعوة.

وهذه الحالة لها ثلاث نتائج مؤكدة:

-إما أن تكون هذه المشاعر أساسًا للدعوة من الطرف المسلم في علاقة إلى الطرف الأخر للالتزام.

-وإما أن تكون هذه المشاعر فتنة للطرف المسلم في العلاقة عن دعوته ودينه.

-وأما أن تنتهي هذه العلاقة وهي النتيجة الثالثة.

وهذا يعنى أن التفكير في إنهاء العلاقة إنما يكون بعد محاولة تحقيق النتيجة الأولى وهي (الدعوة) ، وحذرًا من الوقوع في النتيجة الثانية وهي (الفتنة) .

(1) أخرجه البخاري في النكاح (408/ 9) من حديث ابن عباس وهو عند أهل السنن أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت