الصفحة 18 من 64

وبعد معالجة مفهوم التجرد نبدأ في المعالجة الواقعية استمرارًا في تحقيق التوافق بين ضرورة الدعوة وتكاليفها وبين الطبيعة الأسرية في الإنسان بأسلوب الدعوة ذاته، وهذا هو أحد المواقف في واقع الدعوة نرى فيه رجلًا صحابيًا اسمه حاطب بن أبي باتعة يبعث بخطاب إلى أهل مكة يخبرهم فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيأتي إليهم بجيش، ويعلل هذا بأن كل الصحابة لهم ما يحمى أزواجهم وأولادهم في مكة، فأراد أن تكون له بهذا العمل عند أهل مكة يد يحمي بها زوجته وأهله، ويصدق الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا التعليل ويقول: (صدق) ، ويأمر الصحابة ألا تقول له إلا خيرًا [1] .

ولما تغيب عثمان عن بدر كانت تحته بنت رسول الله وكانت مريضة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لك أجر رجل وسهمه) [2] ، وعندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يغزو كان يترك على المدينة من يحمي النساء، وكان يترك عليهن أقوى من عنده من الرجال منهم علي بن أبى طالب.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوازى بين ثواب الذي يجهز الغازي وثواب الذي يحمي أهله وبين ثواب الغزو، فيقول: (من جهز غازيًا فقد غزا ومن خلفه في أهله فقد غزا) [3] ، ومن هنا يتبين أن هدف حماية الزوجة والأهل ليس بالأمر الذي يتغاضى عنه أصحاب الدعوة عمليًا في تحقيق أهدافها، ولما كان التجمع الإسلامي تجمعًا مجاهدًا كان مبدأ كفالة أهل المجاهد مبدأ اجتماعيًا، وصيغة هذا المبدأ هي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك كلًا فعلي) [4] .

ولابد أن تكون كفالة الجماعة المسلمة لأسرة المجاهد كفالة اجتماعية كاملة، وليست مجرد معونة مادية محدودة، وقد توجب تلك الكفالة الزواج من زوجة الشهيد، وزواج الزوجة بعد زوجها إذا مات، أو زواج بعد زوجته إذا ماتت لا ينقض معنى الوفاء والحب الذي كان بينهما.

وهذه أم سلمة كانت تحب أبا سلمة إلى درجة لم تكن تظن فيها أن هناك رجلا يماثله، إذ إنه لما مات قال لها رسول الله: (قولي إنا لله وإنا إليه راجعون، فما من عبد تصيبه مصيبة، ويقول هذه الكلمة إلا أبدله الله خيرًا منها) ، فقالت: ومن أين سيأتيني خير من أبي سلمة؟ فقدر الله أن تتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه وتصبح أمًا للمؤمنين.

وكفالة الجماعة المسلمة لأسرة الفرد المجاهد ليست مجرد معالجة نفسية تحقق طمأنينة المجاهد على أسرته، ولكنها بمعناها الحركي هي توجيه طاقة الفرد الكامنة في إحساسه بمسئوليته نحو أسرته إلى طاقته الكامنة في إحساسه بمسئوليته نحو دعوته، وبذلك يتحرك الفرد الذي يشعر بالأمان على أسرته بطاقته الكاملة، ويسعى بتلك الطاقة صادقًا إلى الشهادة.

(1) أخرجه البخاري في المناقب (304/ 7) ومسلم (54/ 16) من حديث علي ابن أبي طالب رضي الله عنه.

(2) البخاري في المغازي (54/ 7) والمسند (120/ 2) من حديث ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

(3) متفق عليه ن أخرجه البخاري (49/ 6) في الجهاد، مسلم (40/ 13) من حديث زيد بن خالد.

(4) أحمد في المسند (464/ 2) من حديث أبي هريرة، وفي مواضع من مسنده وأبو داود (105 - 106/ 8) من حديث المقدام بن معدي كرب والنسائي (278 - 279/ 1) وسنده صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت