هناك ... في واقع الدعوة وتحت ظلال السيوف. بين بيوت البركة ومنازل الملائكة في سبيل الله ... بيت لامرأة من أصحاب اليمين هي الرميصاء امرأة أبي طلحة. وكنيتها"أم سليم)."
عن جابر رضي الله عنه قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة) [1] .
فمن البداية طلبها أبو طلحة ليتزوجها - وهو مشرك - فاشترطت عليه الإسلام ويكون صداقها إسلامه فأسلم وتزوجته [2] . وبذلك يتكون بيت بالإسلام والدعوة.
ويجيء ضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن في بيته طعام فسأل مَن يستضيف ضيف رسول الله، فقال أبو طلحة: أنا يا رسول الله! فذهب بالضيف إلى بيته وسأل زوجته أم سليم عن الطعام، فقالت: لا يوجد غير طعام الأولاد أمام الضيف بعد أن جعلتهم ينامون وتصنّعوا أنهم يأكلون دون أن يشعر الضيف حتى أكل طعام الأولاد وشبع. فذهب أبو طلحة إلى صلاة الصبح، فاستقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا أبا طلحة لقد ضحك الله من صنيعكما الليلة) [3] .
وأطعمت الرميصاء ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام الأولاد وأطعمتنا نحن معني إطعام الضيف، ففي المعنى زاد للتقوى وطعم الإيمان وحلاوة اليقين ورائحة الجنة.
ويبارك الله تعالي كرم الرميصاء فيطعم بطعامها جميع صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ صنعت الرميصاء طعامًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثت ابنها أنس بن مالك يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطعام فقال النبي للصحابة: لقد صنع لكم أبو طلحة طعامًا، وذهب جميع الصحابة إلى بيت الرميصاء، فقال أبو طلحة: ماذا نصنع؟ فقالت الرميصاء: رسول الله أعلم بما يفعل، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يدخل عشرة عشرة حتى أكلوا جميعًا وشبعوا، ولم ينقص من طعام الرميصاء شيء [4] .
كما يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي في بيتها فلا يجد إلا حصيرًا قديمًا بلي، فيقول الراوي: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أم سليم على حصير قديم قد تغير من القدم، قال ونضحته بشيء من ماء فسجد عليه) . رواه أحمد والنسائي وأبو داود.
وتقاتل الرميصاء بنفسها، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: لما كان يوم أُحُد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما ينقلان القرب على متونهما ويفرغانها في أفواه القوم) [5] ، وفي غزوة حنين: (عن انس قال: اتخذت أم سليم خنجرًا أيام حنين فرآها النبي ذات يوم والخنجر معها فقال: ما هذا يا أم سليم؟ فقالت: اتخذته حتى إذا دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، فقالت: يا رسول الله! اقتُل من بعْدَنا من الطلقاء الذين انهزموا بك، فقال لها: أم سليم، إن الله قد كفى وأحسن) [6] .
ولنا أن نعلم عظمة موقف الرميصاء إذا علمنا أن الذي بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر صاحب فتح الباري [7] - في غزوة حنين نحو المائة وبضعة وثلاثين من المهاجرين والبقية من الأنصار، ومن النساء أم سليم وأم حارثة.
(1) البخاري في (العقيقة) (587/ 9) ومسلم رقم (2144) عن أنس.
(2) متفق عليه: البخاري في (الأطعمة) (574/ 9) ومسلم رقم (2040) من حديث أنس.
(3) البخاري في المناقب والمغازي (128، 361/ 7) ومسلم رقم (1811) عن أنس رضي الله عنه.
(4) انفرد به مسلم فرواه في الجهاد رقم (1809) من حديث أنس.
(5) كتاب المغازي ص8 ص: 28.
(6) تقدم قريبًا تخريجه.
(7) تقدم تخريجه وبيان ما فيه.